شارك هذا الموضوع

امرأة هزّت السعودية

في فبراير/ شباط الماضي، وقف وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، أمام لجنة في مجلس الشيوخ، ليحاول إقناع الأعضاء برفض قانون "جاستا" الذي يسمح بمحاكمة السعودية على أحداث "11سبتمبر". ألح كيري على النواب بكل الطرق، وقال لهم إن القانون "سابقة رهيبة، وقد يعرّض أميركا لدعاوى قضائية، ويسلبنا الحصانة السيادية". فيما بعد، قدم الرئيس باراك أوباما مذكرةً لمجلس النواب، يناشد فيها الأعضاء رفض القانون، للأسباب نفسها، بل إن المسؤول الأمني الأول رئيس المخابرات، جون برينان، أكّد للنواب أن موافقتهم على القانون ستعرّض المصالح الأميركية للخطر.

الأمر بديهي. لدى الولايات المتحدة قواعد عسكرية في أرجاء العالم، ولديها في كل مكان جاليات وشركات عابرة للقارات. لذلك، هي صاحبة المصلحة الأولى في استمرار قاعدة "الحصانة السيادية" التي تحكم العلاقات الدولية، فلا يمكن لمحاكم دولةٍ أن تحاكم حكومةً أو مواطني دولة أخرى. قد يسمح كسر تلك القاعدة الراسخة بتكرار النموذج عكسياً. ماذا لو أصدرت روسيا قانوناً لمحاكمة أميركا لتورّطها بالحرب في جورجيا؟ ماذا لو أصدرت اليابان قانوناً يسمح لضحايا هيروشيما بمقاضاة أميركا؟

ويزداد الأمر حساسيةً للمصالح الأميركية، إذا كنا نتحدث عن السعودية، الحليف التاريخي، والتي جاءت أصوات التهديد منها بسحب 750 مليار دولار استثمارات في أميركا.

على الرغم من كل تلك الأعتبارات، وافق مجلسا النواب والشيوخ على القانون، بل تم إفشال محاولة أوباما إسقاطه باستخدام حق "الفيتو" الرئاسي، بموافقة أغلبيةٍ كاسحةٍ، تتجاوز النصاب المطلوب، وهو ثلثا الأعضاء، حتى أن تصويت مجلس الشيوخ التاريخي كان بموافقة 97 صوتاً مقابل صوت واحد فقط يعارض القانون.

ليس السبب سِراً: تيري سترادا. كانت سيدة عادية للغاية، حتى يوم 9 سبتمبر/ أيلول 2011، حين فوجئت، وهي مازالت تتعافى من ولادة ابنها قبل أيام قليلة، بخبر الكارثة القومية والشخصية، فقد قُتل زوجها توم، في أثناء وجوده في مقر عمله سمساراً في شركة كانتور فيتزجيرالد، في مبنى التجارة العالمي. بسرعةٍ، تجاوزت تيري البكاء، لتبدأ في العمل المنظم لاستعادة حق زوجها. أسّست رابطة الناجين وأسر ضحايا "أحداث سبتمبر". وبالنظر لأهمية الحدث، وبالنظر لأن الضحايا يتجاوزون ثلاثة آلاف غير الناجين، فقد أصبحت الرابطة رقماً قوياً في السياسة الأميركية كلها.

تبنت تيري ورابطتها مواقف مؤثرة عديدة، تتهم الحكومة بإخفاء قدرٍ من الحقيقة لمجاملة السعودية، وكانت لحظة التصويت على هذا القانون، في الواقع، لحظة التصويت على قوة هذا اللوبي الذي تجاوز نفوذه اللوبي السعودي بملياراته، والإسرائيلي بعلاقاته.

بعد إقرار الكونغرس القانون، فسّر الرئيس أوباما ما حدث بأن النواب خضعوا لضغوط أهالي "ضحايا سبتمبر" في دوائرهم قبل الانتخابات القادمة. قال في لقاء مع "سي إن إن": "إذا نُظر إليك على أنك تصوّت ضد عائلات ضحايا هجمات "11 سبتمبر"، فذلك يمثل تصويتاً صعبا".

هناك تفسيرات سياسية أخرى، حقيقية ومهمة، كتراجع أهمية السعودية بتراجع أهمية استيراد النفط، أو كحقيقة وجود توجه أميركي في الفترة الأخيرة للاقتراب من المعسكر الإيراني، كما ظهر جلياً في الاتفاق النووي، وذلك على حساب المعسكر السعودي، بل وعلى حساب الجانب الإسرائيلي أيضاً. في خطوةٍ غير مسبوقة، ألقى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، خلال العام الماضي، خطاباً في الكونغرس، من دون التنسيق مع أوباما، ليحرّض النواب على رفض الاتفاق الإيراني. في النهاية، حظي نتنياهو بالتجاهل والازدراء، وتمت الموافقة على الاتفاق.

قد تفسّر كل هذه الأسباب فعلاً تمرير القانون، لكنها لا تفسّر سبب الأغلبية الكاسحة من النواب، والتي شملت الجمهوريين والديمقراطيين. التفسير هو: تيري سترادا.

حالياً، هناك أصوات بين النواب الديمقراطيين، تدعو إلى مراجعة القانون، أو تعديل بعض مواده، وهي تعديلاتٌ ستفرغه من مضمونه في الواقع. وسواء نجحوا في ذلك، بعد مرور موسم الانتخابات، أو لم ينجحوا، سوف تبقى حقيقة هذه الواقعة التاريخية: إنه في لحظة معينة كان نفوذ ربة منزل عادية أكبر من نفوذ رئيس الولايات المتحدة، ووزير خارجيتها، ورئيس مخابراتها.

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة

انشر مواضيع واحصل على ربح فوري