شارك هذا الموضوع

بالصور- هكذا يعيش أهل "غيط العنب" بعد "بشاير الخير"

  • الكاتب MY Dream
  • تاريخ اﻹضافة 2016-10-07
  • مشاهدة 13

أمام قسم شرطة كرموز تبدأ الطرق الترابية الضيقة لمنطقة "غيط العنب" في التحول إلى أخرى مرصوفة وأوسع، وتتبدل مشاهد مساكن المنطقة العشوائية المبنية بالطوب الأحمر بعمارات حديثة تتخللها حدائق مزدهرة، حيث مشروع "بشائر الخير"، الذيافتتحه الرئيس عبد الفتاح السيسي الإثنين الماضي، وفي نفس اليوم تم هدم المنازل القديمة لأول دفعة من سكان المشروع لتسكينهم بمنازلهم الجديدة.

تتكون المرحلة الأولى من المشروع من ١٦٣٢ وحدة سكنية، بتمويل كامل من البنك الأهلي و33 من رجال الأعمال بينهم جمال حمادة، صاحب شركة أسمدة، وأحمد عز، صاحب شركات "عز الدخيلة"، وطلعت مصطفى، بالإضافة إلى شركة ليسيكو للسيراميك، وأبوقير للأسمدة والنساجون الشرقيون.

كان الرئيس السيسي قد ذكر في 6 فبراير الماضي أن مصر بحاجة إلى بناء نصف مليون وحدة سكنية سنويًا لمواجهة الطلب المتزايد والبناء العشوائي. بعدها بأيام، كرر في خطابه أثناء إطلاق استراتيجية مصر للتنمية المستدامة، في 26 فبراير، امتعاضه لاستمرار مشكلة العشوائيات بعد أن أصبحت "50% من مساحة مصر". وقال الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في يونيو الماضي إن إجمالي مساحة المناطق العشوائية في مصر يمثل 38.6% من الكتلة العمرانية لمدن الجمهورية. وأوضح الجهاز أن المناطق العشوائية تنتشر في 226 مدينة من إجمالي 234 مدينة على مستوى الجمهورية.

وفي تقرير حديث، صادر في 18 سبتمبر الجاري، قال "المركزي للتعبئة والإحصاء" إن عام 2014/2015 شهد بناء 352.6 ألف وحدة سكنية من إجمالي 1.2 مليون وحدة تم بناؤها خلال الفترة من 2009 حتى 2015 بواسطة القطاعين الحكومي، العام والأعمال العام، والخاص.

بشائر الخير

بشائر الخير (By هبة عفيفي)

يمر الداخلون إلى المشروع عبر بوابات الكترونية، يجلس بجانبها العميد أيمن عبد الله، أحد مديري المشروع، الذي قال لـ"مدى مصر" إن المشروع جزء من استراتيجية القوات المسلحة بتقديم كل من القطاعات الجغرافية داخل الجيش خدمة للمنطقة التابع لها. وأضاف أن الاختيار وقع على "غيط العنب" لتفشي نشاط المخدرات فيها، وأن البناء سيستمر مكان البيوت المهدمة حتى تتحول المنطقة بالكامل.

على يمين البوابة يظهر جامع كبير، وبجانبه مستشفى "جمال حمادة"، التي تبدو تجهيزاتها مضاهية للمستشفيات الخاصة، وتقدم خدمات طبية مجانية لسكان المشروع. ثم مركز للتدريب والتشغيل المهني مجهز بورش حدادة ونجارة، وغيرها، لتوفير برامج تدريب مجانية لمساعدة السكان على دخول سوق العمل. بالإضافة إلى مركز لتأهيل الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.

يثير المشروع فضول سكان المنطقة الذين لم يأت دورهم للانتقال إليه بعد، فيتوافدون باستمرار للمعاينة والاستفسار. يتوقف أحدهم أمام البوابة الكهربائية عند مدخل المشروع ويسأل ما إذا كان بإمكانه الدخول أم أن عليه دفع تذكرة. يسأل الكثيرون عن فرص عمل بالمشروع ويتركوا طلباتهم بالمشروعات المختلفة بداخله. إلا أن محمد سائق "التوكتوك" الذي أخذني للمشروع عبر طرقات "غيط العنب" الضيقة، وبرغم إعجابه بالمشروع، يراه غير ملائم لسكان المنطقة، فيقول: "الحاجات دي مش هتنفع الناس هنا".

تتوقف ثلاثة سيدات، ممن اعتدن قضاء احتياجاتهن من الأسواق المفتوح، أمام الباب الزجاجي للمجمع الاستهلاكي الفخم، ويلوحن للعامل برغبتهن في الدخول، فيأتي ليفتح لهم الباب. تعاين السيدات أسعار المنتجات للتأكد أنها ليست أغلى من نظيرتها في المنطقة القديمة قبل الشراء.  كما اصطحبت سيدة ابنها المصاب بالتوحد إلى مركز الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، حيث فحصته إحدى الإخصائيات هناك، وطلبت منها العودة لجلسات تنمية مهارات.

المجمع الاستهلاكي في بشائر الخير

المجمع الاستهلاكي في بشائر الخير (By هبة عفيفي)

بالرغم من  التجهيزات المبهرة للمشروع، والتي تجعله طفرة في حياة ساكنيه، إلا أن العديد من السكان الجدد الذين تحدث معهم "مدى مصر" شعروا أنهم مجبرين على الانتقال وتمنوا لو بقوا في بيوتهم القديمة. بدأت عملية تحضير السكان للنقل منذ ٢٠١٤، حيث بدأت معاينات للبيوت وحصر للأهالي من الملاك والمستأجرين. درست بعد ذلك وزارة التضامن الاجتماعي الحالة المادية لكل أسرة لتحديد الإيجار بحسب قدرتها. حصل من كانوا يملكون منزلهم بـ"غيط العنب" القديمة على عقود تمليك للبيوت الجديدة ويدفعون ٥٠ جنيه شهريًا نظير الخدمات. إلا أنهم يقولون أن القيادات العسكرية التي تحدثوا معها أعطوهم إجابات متضاربة عما إذا كانوا سيحصلون على تعويض عن الأرض. أما بالنسبة للمستأجرين، فحصلوا على عقود إيجار تتراوح بين ١٠٠ و٣٠٠ جنيه حسب حالتهم.

استقبلت أسرة الحاج محمد "مدى مصر" في شقتهم الجديدة، التي تبلغ مساحتها ٩٠ متر مربع، وتتكون من صالة وثلاثة غرف نوم ومطبخ وحمام، جميعها كاملي الفرش والتجهيز. الصالة الصغيرة مجهزة بشاشة تليفزيون مسطحة موصولة بجهاز استقبال "ريسيفر"، كما توجد مراوح بكل غرفة وأجهزة مثل المكواة والخلاط، وحتى دولاب النيش المجهز ببعض الأكواب الأنيقة. المطبخ أيضًا مجهز بأدوات الطبخ من طقم حلل وشوك وسكاكين. وتقول الأسرة إن القوات المتواجدة وزعت وجبات على السكان في أول يومين لهم بمنزلهم الجديد.

مطبخ بإحدى شقق بشائر الخير

مطبخ بإحدى شقق بشائر الخير (By هبة عفيفي)

بالرغم من إعجابهم بالتجهيزات، كانت الأسرة حزينة على خسارة بيتها الذي كان جمع العائلة وعاشوا فيه طوال عمرهم.

غرفة معيشة بإحدى شقق بشائر الخير

غرفة معيشة بإحدى شقق بشائر الخير (By هبة عفيفي)

تشرح إيمان شعور الأسرة قائلة: "مهما كانت حلاوة الشقة، دول (الوالد والوالدة) ناس كبيرة وعاشوا طول عمرهم في بيتهم فزعلانين عليه. وبعدين احنا هناك عايشين وسط أهالينا مفيش حد غريب، هنا فيه ناس مش شبهنا"، يتدخل الأب في محاولة لمنع ابنته من الاستمرار في الحديث: "فيه أمن دولة هنا سامعين كل حاجة". لكن إيمان استمرت لتوضح أن أغلب سكان المنطقة اعترضوا على الانتقال للمشروع الجديد، فيما عدا الأسر التي كانت تعيش في منزل واحد، حيث كان المشروع فرصة لهم للحصول على شقة مستقلة.

كان أهالي منطقة "غيط العنب" بالإسكندرية على علم مسبق بأن هدم بيوتهم سيحدث قريبًا، لم يعلموا اليوم بالتحديد، حتى جاءت قوات الجيش إلى منازلهم يوم زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي لافتتاح المشروع وأنذرتهم بضرورة الإخلاء الفوري لأن الهدم سيحدث حالاً. كان يوماً قاسيًا، كما تروي أسرة الحاج محمد.

هدم منازل غيط العنب

هدم منازل غيط العنب (By هبة عفيفي)

"رمونا في الشارع وهدوا البيت قدامنا، شفتي الذل بقى"، تقول زوجة عم محمد، الحاجة سعدية، لـ"مدى مصر". وتوضح الإبنة، إيمان، أن الأهالي اضطروا لإخلاء بيوتهم على عجل، وأن الكثير من أشياءهم تعرض للسرقة في أثناء الفوضى. لم يُسمح للأسر بالانتقال إلى بيوتهم الجديدة حتى نهاية زيارة الرئيس، فقضوا اليوم في الشارع، كما تم قطع المياه عن المنطقة القديمة لإجبار الأهالي المتمسكين بمنازلهم على الرحيل، وفقًا للأسرة.   

هناك تواجد مكثف للجيش بالمنطقة، كما تتخذ الشوارع أسماء شهداء من القوات المسلحة. يحرس كل عمارة عسكري جيش، كما تتواجد باستمرار قيادات لمعاينة تطور العمل. نظرنا من شرفة منزل عم محمد لرؤية موكب قائد المنطقة الشمالية، اللواء محمد الزملوط، عند وصوله لمتابعة العمل بالمشروع، لكن أحد العساكر أمرنا بإشارة من يده بالدخول.

قائد المنطقة الشمالية يتفقد بشائر الخير

قائد المنطقة الشمالية يتفقد بشائر الخير (By هبة عفيفي)

يقول عسكري مكلف بحراسة أحد العمارات إن تواجد الجيش في الفترة الأولى للمشروع سببه أن "الأمن المدني مش هيعرف يسيطر على الناس دي"، ويقول العميد عبد الله إن الجيش سوف يسلم إدارة المشروع لهيكل تنفيذي مدني بقيادة المحافظة بعد انتهاء مرحلة التسكين، إلا أنه تعجب من عدم ظهور أي من المسؤولين المدنيين حتى الآن.

وصل عادل بصحبة زوجته الحامل في الشهر الثامن ووالدته إلى المدينة الجديدة، حيث تم تحديد أسرته في الدفعة الثانية التي ستنتقل إليها قريباً، لمعاينة الوحدة التي تسلمتها جارتهم. تشتكي الأسرة، المكونة من والد ووالدة عادل وزوجته وطفلهم المنتظر، من حصولهم على شقة واحدة، على الرغم من أن المسئولين كانوا أخبروهم أنه في حال زواج الولد تحصل أسرته على شقة مستقلة.  كانت الأسرة شديدة الامتعاض من إجبارها على الانتقال، إلا أن عادل لم ير في التعبير عن رأيه أي جدوى، قائلاً: "مش بمزاجي، ده بقى أمر واقع خلاص".

أسرة تنتقل إلى بشائر الخير

أسرة تنتقل إلى بشائر الخير (By هبة عفيفي)

تتضرر الأسرة من اضطرارها لدفع ٣٠٠ جنيه شهريًا كإيجار، بعد أن كانوا يدفعون ٥ جنيهات بمنزلهم القديم. كما يقلق عادل من عدم وجود مكان لـ"جهازه" في الشقة الجديدة، والذي اشتراه عند زواجه منذ ٩ أشهر فقط. يعاين عادل الشقة محاولاً إيجاد أماكن لعفشه الجديد فيقرر أنه سيتخلص من الفرش المجهز بالصالة ليضع صالونه مكانه. تعاين زوجته المرتبة وتقرر أنهم سوف يستبدلوها بمرتبتهم الخاصة أيضًا. بالرغم من قلقه إلا أن عادل لم يُخف إعجابه بالشقة، وتمنى أن تكون وحدته مشابهة لها. على عكس أسرة عادل، كانت الجارة سعيدة، تنتقل من غرفة إلى أخرى بمصاحبة أسرة عادل لتريهم كل شبر وكل قطعة أثاث، حتى فرش السرير والفوط، بكل حماس.

يبدو على الأطفال نفس المشاعر المتضاربة بين الحماسة لجمال المكان الجديد والتمسك بحياتهم التي تركوها. فلم يُعر الأطفال الاهتمام للحديقة الموجودة بالمدينة، وفضلوا لعب الكرة بالشارع كما اعتادوا.

حديقة الأطفال في بشائر الخير

حديقة الأطفال في بشائر الخير (By هبة عفيفي)

أطفال يلعبون الكرة في شوارع بشائر الخير

أطفال يلعبون الكرة في شوارع بشائر الخير (By هبة عفيفي)

يقول تقرير لمركز "عشرة طوبة" أن نصيب المشاريع المحلية، مثل الإسكان ومحطات مياه الشرب والصرف الصحي، والطرق والمواصلات والتنمية العمرانية، من موازنة العمران للسنة المالية 2015/2016 بلغ نحو 60%، وذهبت 40% من الاستثمارات إلى المشاريع الإقليمية مثل محطات وشبكات الكهرباء والسكك الحديدية والطرق القومية. وتساوى الإنفاق على المشاريع المحلية في العمران القائم، الذي يضم أكثر من 200 مدينة و4000 قرية، حيث يعيش أكثر من 98% من المصريين، مع المدن الجديدة التي تضم فقط 31 مدينة، تأوي أقل من 2% من السكان.

ويوضح التقرير أن 7٪ من إجمالي موازنة العمران في العام المالي 2015/2016 توجه نحو مدينتين جديدتين فقط هما العاصمة الإدارية الجديدة بالقاهرة (5 مليارات جنيه)، والعلمين الجديدة في مطروح (2 مليار جنيه)، وهي منتجع سياحي ساحلي كبير. فاستثمارات العاصمة الإدارية الجديدة تعادل إجمالي الاستثمارات المحلية في جميع قطاعات مدينة القاهرة (5.8 مليار جنيه)، كما تبلغ استثمارات مدينة العلمين الجديدة ضعف إجمالي الاستثمارات الخاصة بمحافظة مطروح (0.9 مليار جنيه).

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة

انشر مواضيع واحصل على ربح فوري