شارك هذا الموضوع

بسمارك

  • الكاتب nasa27 3ama
  • تاريخ اﻹضافة 2016-11-12
  • مشاهدة 66

بسمارك

لا شك بان بسمارك «اوتو فان بسمارك» هو احد اشهر الشخصيات الأوروبية خلال العصر الحديث وليس فقط خلال القرن التاسع عشر الذي عاشه كله تقريباً فهو من مواليد عام 1815 وقد توفي عام 1898.

ومن المعروف إطلاق صفة بسمارك العرب، على هذه الشخصية السياسية أو تلك ممن حملوا حلم التوحيد القومي إلى هذه الدرجة أو تلك. أما السر في إطلاق هذه الصفة فيعود إلى أن بسمارك كان قد أعاد توحيد ألمانيا بعد أن كان قد وصل إلى الحكم عام 1862 بصفة رئيس للوزراء ووزير للخارجية بدعوة من ملك بروسيا غيوم الأول الذي قال ذات يوم «ليس من السهل دائماً أن يكون المرء إمبراطورا إذا كان رئيس حكومته مثل بسمارك».

وقد كان بسمارك حتى وصوله إلى السلطة شخصاً غير معروف تقريباً، وكان عمره آنذاك سبعة وأربعين عاماً، ولكنه هو الذي صاغ الوحدة الألمانية، رغم انه لم يكن يستند على أي حزب سياسي أو على أي تيار أيديولوجي. ومع هذا احتفظ بالسلطة مدة ثلاثين عاماً بكثير من الواقعية والبراجماتية وبإرادة حديدية إذ انه لم يكن يتراجع أمام صعوبة أو أمام أي حساب دقيق إذا كان هذا يحقق له الغاية التي يسعى إليها، وبهذا المعنى كان مكيافيليا، لم يوفر أي عمل من اجل الوصول إلى هدفه الرئيسي ولو كان ذلك يتطلب استخدام القوة، إن ذلك الهدف قد تمثل بالنسبة له في الوحدة الألمانية.

وكان بسمارك أيضا حسب الصورة المرسومة له في هذا الكتاب رجلاً ينتمي إلى الماضي ولكن أيضا رجلاً ينتمي إلى عصره، كان ينتمي إلى الماضي من حيث انه مثل نموذج الارستقراطي الرجعي، الذي كان يحتقر دون أية مواربة المبادئ الديمقراطية. وكان ينتمي إلى عصره من حيث انه شجع النهوض الاقتصادي والصناعي لألمانيا وسن الكثير من قوانين الحماية الاجتماعية ليجعل من بلاده الأكثر حداثة على مستوى القارة الأوروبية كلها.

ولعل الصفات التي التصقت اكثر من غيرها بشخصية اوتو فان بسمارك هي انه داهية وفظ ومتسلط وذو نزعة قتالية، ومبالغ .. الخ، واعتماداً على هذه الصفات كلها استشرى للاحتفاظ بالسلطة مدة ثلاثين عاماً وصادرها مستخدماً أقسى الأساليب ضد خصومه، هكذا بقي نقطة علام بارزة في تاريخ بلاده التي وحدها وخلق بذلك توازناً جديداً على صعيد القارة القديمة، مع قدرته المحافظة على نظام ملكي قوي في أجواء كانت الثورة الفرنسية قد خلقت فيها ديناميكات جديدة.

وبهذا المعنى استطاع أن يقود بلاده في الاتجاه المعاكس للريح السائدة، وحيث كان الشعار السائد هو الجمع بين التنمية الاقتصادية والتقدم الديمقراطي، أما بسمارك فقد صاغ نمطاً رأسمالياً ألمانيا حديثاً، في بلد ممسوكة بقبضة من حديد.

إن السمات الشخصية التي تميز بها بسمارك تتم إعادتها إلى شخصية والدته القوية التي كان قد كتب عنها هو نفسه في احد رسائله لزوجته جوانا، : كانت أمي سيدة جميلة تتمتع بذكاء واضح وبحيوية كبيرة، لكنها كانت تفتقر إلى ما يطلق عليه أهل برلين تسمية ـ قلب ـ. كانت تحب المظاهر الخارجية وتريدني أن أكون شخصاً مثقفاً جداً وان اصبح شخصية مرموقة.

وكان يعتريني دائماً الإحساس بأنها كانت قاسية وباردة معي.

وعندما كنت صغيراً كنت امقتها، وفيما بعد وبفضل ريائي ونجاحاتي توصلت إلى خداعها.

عاش بسمارك طفولته ومراهقته دون أن يبدي أية إشارات تدل على انه سوف يصبح شخصية استثنائية. كما انه لم يعرف طفولة سعيدة في كنف أهله إذ أن والدته التي كانت تريد تأهيله كي يصبح موظفاً كبيراً أو دبلوماسياً أرسلته منذ بلوغه سن السادسة إلى مدرسة داخلية في برلين حيث أمضى خمس سنوات في معهد بلامان الذي احتفظ منه بذكريات هي اقرب إلى الكابوس. ثم انتقل بعدها إلى مدرسة ثانوية ليدخل فيها لدراسة الحقوق، كانت تلك الجامعة موجودة في مدينة جوتنجن، وحيث يقول عن تلك الفترة التي التقى فيها بمجموعة من الطلبة الأعضاء في جمعية الطلبة الوطنيين، ما مفاده: لم احتفظ في داخلي من تلك الفترة إلا تطلعاتي الوطنية وقناعتي بان المستقبل الذي ينفتح أمامنا إنما هو الذي سيؤدي إلى التوحيد الألماني. بل وإنني راهنت احد أصدقائي، الأمريكي كوفن، بأنه سيتم الوصول إلى هذا الهدف قبل مضي عشرين عاماً.

لم يكن بسمارك طالباً لامعاً، وكان يبدو شاباً حائراً، يميل إلى العزلة والعيش وحيداً.. وهكذا اشتغل كمتدرب في المحاكم لمدة عدة سنوات أراد أثناءها أن يصبح موظفاً كبيراً أو دبلوماسياً ـ كما كانت تريد والدته، لكنه لم ينجح في إقناع الذين قابلهم بكفاءاته المهنية أو الدبلوماسية. وعندما بلغ اوتو فان بسمارك الثلاثين من عمره كان يعاني من أزمة وجودية حقيقية، تتعلق بمعنى حياته، بل وانه كان يطرح آنذاك تساؤلات كبيرة حول المسائل العقائدية. وفي تلك الفترة أيضا دفعه صديقان له نحو احد الفرق التقوية، وعرّفاه على جوانا التي كانت تبلغ آنذاك التاسعة عشرة من العمر وابنة إحدى الأسر الألمانية المحافظة. تزوج اوتو وجوانا عام 1847. وتجدر الإشارة هنا إلى أن المراسلات التي تبادلاها على مدى نصف قرن من الزمن تبين بوضوح العلاقة الاستثنائية التي كانت تربط بين هذين الزوجين، لقد انجبا ثلاثة أطفال، لكن جوانا أصرت دائماً على أن تبقى بعيدة عن الحياة السياسية.

عندما همّ اوتو فان بسمارك، الدخول إلى معترك السياسة، لم تكن ألمانيا موجودة في الواقع العملي. إذ كان هناك 32 مقاطعة وأربع مدن حرّة متحالفة فيما بينها ضمن إطار عام لـ «كنفدرالية جرمانية» رخوة إلى درجة تسمح لكل طرف بالاحتفاظ بسيادته كاملة. وكانت هذه الكونفدرالية تدار بواسطة برلمان بوند ستاج، مقرّه فرانكفورت وكان مهمته الرئيسية هي المحافظة على السلام وبحيث انه كان يمكن لأي حاكم يواجه معارضة في دولته أن يطلب مساعدة آل«بوند ستاج» لإعادة النظام، وكانت هذه المؤسسة تعود إلى مؤتمر فيينا عام 1815 ـ عام ولادة بسمارك، وكان يؤمن للنمسا، أقوى دول الكونفدرالية، التي كانت تسود فيها سلالة «هابسبورج» السيطرة على العالم الجرماني.

في هذا الإطار أصبح بسمارك نائباً شاباً في بروسيا المزدهرة عام 1847 حيث لفت إليه الأنظار وطرح نفسه ك«ارستقراطي» محافظ جداً تشغله فكرة واحدة هي تحقيق الوحدة الألمانية، وانطلاقاً من هذا الموقع اصبح في شهر يونيو من عام 1851 «سفيراً» لبروسيا في مقر الفيدرالية الجرمانية في فرانكفورت حيث تم النظر إليه بأنه دبلوماسي مزعج، وفي تلك الأثناء اعتلت صحة الإمبراطور فريدريك غيوم الرابع ليخلفه أخوه كوصي ثم كملك عام 1861، وعلى اثر انتخابات فاز فيها المحافظون بالكثير من المقاعد، استدعى الملك مجموعة من اللبراليين المعتدلين للمشاركة في الحكومة وفي الفترة نفسها تخلى بسمارك عن منصبه كسفير في فرانكفورت للعمل كسفير لبلاده في «سان بطرسبورج» عاصمة القياصرة الروس.

ثم، وفي أجواء المجابهات المستمرة بين الملك غيوم الأول والبرلمان قام الملك بحل البرلمان في صيف عام 1862 بأمل أن تأتي له الانتخابات الجديدة بأغلبية ملائمة. لكن كان الفشل ينتظره. وبدا أن رئيس وزراء قوي يستطيع وحده أن ينقذ الوضع.. وهكذا اصبح اوتو فون بسمارك رجل الملك في ذلك المنصب لتبدأ حياته الجديدة.

إن بسمارك الذي حصل على ثقة غيوم الأول الكاملة، بدأ مباشرة مشروعه حول مستقبل بلاده على أساس الفكرة الوحيدة الأساسية التي كانت تختلج في أعماقه منذ ثورة 1848 ألا وهي تحقيق وحدة الدول الألمانية في ظل ملك واحد، هو ملكه، ودون الجنوح نحو الأيديولوجية اللبرالية، التي تبناها النموذج الايطالي، يقول بسمارك: إن بروسيا لا تستطيع وحدها بجسدها النحيل أن تحمل طويلاً الهيكل الألماني المحتاج للأمن، ولذلك ينبغي أن يقوم جميع الألمانيين بمسئولياتهم. ثم إننا لن نتوصل إلى هدفنا بالخطابات والجمعيات واقتراع الأغلبية، ولا يمكن بالتالي تجنب نضال جدي، ونضال بالحديد والنار.

لقد اتبع بسمارك بالفعل سياسة الحديد والنار، إلى جانب السياسة الواقعية، وبحيث يؤسس أول جيش في العالم. لكن هذا لم يمنعه من أن يثبت مواهبه الدبلوماسية.. وهكذا عمل على تعزيز التضامن بين الألمانيين عبر التهديد بوجود عدو مشترك، حدده بفرنسا التي كان يقودها نابليون الأول. فيما بعد وعام 1870 انفجرت الحرب وانتهت باستسلام الفرنسيين عام 1871 بعد حصار صعب لباريس وليعلن بسمارك تحقيق حلمه والإعلان بتاريخ 18 يناير 1871 في قاعة المرايا بقصر فرساي، قيام الإمبراطورية الألمانية التي ضمت 25 دولة وحيث كان بسمارك يشغل منصب رئيس وزراء مملكة بروسيا ومستشار الإمبراطورية، أي انه كان يتمتع بكامل السلطات. ونال لقب «المستشار الحديدي».

وفي عام 1890، وبعد هزيمة انتخابية كتب بسمارك للملك الشاب غيوم الثاني الذي لم يكن على وفاق كبير مع عقليته يقول: بسبب إخلاصي لخدمة البيت الملكي ولجلالتكم، وبعد التعود الطويل على وضع اعتقدت انه دائم، يصعب علي التخلي عن علاقاتي المعتادة مع جلالتكم ومع السياسة في بروسيا والإمبراطورية، ولكن بعد أن قمت بتفحص ضميري لنواياكم التي ينبغي على تحقيقها إذا بقيت في الخدمة، فإنني التمس من جلالتكم التفضل بقبول استقالتي من منصب المستشارية في الرايخ ومن رئاسة وزراء ووزير خارجية بروسيا وان توافقوا لي على راتبي التقاعدي الذي يمنحه لي القانون.

في عام 1898 توفي اوتو فان بسمارك، وكانت آخر كلمة تلفظ بها هي «مصلحة الدولة»، الدولة التي لم يخدمها احد مثله

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة

انشر مواضيع واحصل على ربح فوري