شارك هذا الموضوع

بين السيسي وعبد الناصر

غادر الرئيس جمال عبد الناصر دنيانا، في 28 سبتمبر/ أيلول 1970، وترك مصر والمنطقة في حالةٍ لا يرضاها. وترك لمصر إنجازاتٍ كثيرة، وترك لها أعظم الجراح، وأخطرها الحكم العسكري الوراثي الذي يخاصم الديمقراطية، وهذا الخطر لب المآسي التي لحقت، ولا تزال، بمصر التي أحبها عبد الناصر.

سألني أحد الشباب الناصري عن أوجه الشبه والاختلاف بين عبد الناصر وعبد الفتاح السيسي، وما إذا كان السيسي امتداداً للعصر الناصري الذي قطعه أنور السادات، ثم حسني مبارك، وعاداه "الإخوان المسلمون". ثم خفف سؤاله: إلى أي الرؤساء السابقين في مصر يعد السيسي الأقرب إليه، وهل تجوز المقارنة الآن، بعد مضي أكثر من ثلاث سنوات على سيطرة السيسي على الحكم، وأكثر من عامين على استقراره في منصب رئيس الجمهورية؟

كنت أعلم أن هذا الشاب تلقى إشاراتٍ متناقضة، وأنه كان لديه استعداد سياسي، لكي يتقبل أن السيسي هو عبد الناصر المرحلة، وأن الشاب مدرك للفوارق الشخصية وتاريخ الرجلين، وأنه بات مرتبكاً، خصوصاً بعد أن بايع نجل الزعيم "الخالد" السيسي، واعتمده ناصراً جديداً، وخلع عليه سترة أبيه. ثم استشعرت هدى عبدالناصر الحرج في قضية جزيرتي تيران وصنافير، ولاحظت أن شهادتها بمصريتهما تناقض موقف السيسي، وهو الخليفة المعتمد من أسرة الزعيم الراحل، فقرّرت أن يتطابق موقفها بشأنهما مع موقفه، حتى لا يتناقض موقفها من السيسي عموما في هذه القضية، على الرغم من إلحاح شعورها الوطني، وهي الأقرب إلى الزعيم الذي كانت "تيران" حجر الزاوية في إسقاط مشروعه. وربما أدركت ابنة عبد الناصر أيضاً أن هذه الجزيرة تكون هي الأخرى هذه المرة حاسمةً بالنسبة لمشروع السيسي الذي يمكن قراءاته بسهولة، وإنْ لم يفصح هو عنه، أو عن غيره، وإنما يردّد المبادئ المحفوظة، مثل أنه لن يفرّط في حبة رمل واحدة من تراب مصر، وهو صادق، لأن "تيران" جزيرة صخرية لا رمل فيها، فإن فرّط، جدلاً، فلن ينال ذلك من تأكيداته بشأن رمال مصر. وعندما كنت أحلل موقف هدى عبد الناصر، فى كتابي الوثائقي عن الحقائق والأساطير فى مصرية "تيران" و"صنافير"، لم أجد صعوبةً في التفسير، خصوصاً أن التيار الناصري كله شعر بالحرج من ارتدادها عن الموقف الأول، موقف عبدالناصر، وهي الباحثة والأستاذة والمدققة في تراث أبيها وتاريخ مصر في عهده من 1952 حتى 1970، لأن التيار الناصري كله مجمع على مصرية الجزيرتين، ورفض التفريط فيهما.

أعادني الشاب إلى السؤال بالإلحاح، ففضلت أن أضع أمامه الحقائق التي يلمسها بنفسه، من دون التطوع بأي تعليق، أو فرض الوصاية الفكرية التي لا يطيقها الشباب، فأوردت الحقائق الماثلة الثابتة الآتية، تاركا له التحقيق والاستنتاج.

الحقيقة الأولى، موقف عبد الناصر من العدالة الاجتماعية، اتفقنا أو اختلفنا حول الطريقة التي

نفذت بها، فإن هذا الموقف الأخلاقي- السياسي- الاجتماعي أدى إلى نشأة طبقة عريضة، أطلق عليها بحق مجتمع الكفاية والعدل. وأشهد أنه، في هذه المرحلة، كانت القوة الشرائية للجنيه المصري أقوى من علاقة الجنيه بالدولار، ناهيك عن عملات الخليج التي لم تكن قد ظهرت. ولذلك، كان راتب 17 جنيهاً كافياً جداً لبناء مستقبل زاهر لشاب في مثل عمري حينذاك، حتى بعد النكسة التي أسقطت كل شيء، ولم تتأثر قوة الجنيه كثيراً من هولها، وحتى بعد مغامرة اليمن المحزنة، علماً أن الحكم على الأمور والقرارات يجب أن يظل محكوماً بظروف القرار وزمنه وبيئته، واعتبارات صاحب القرار، وليس بنتائجه على المدى البعيد.

الحقيقة الثانية أن مصر كانت تعاني من حصارٍ وحرب اقتصادية خانقة، حرمتها من العملات الصعبة، وكان سبب الحرب أن عبد الناصر اهتم بموارد مصر، وحافظ عليها من النهب، وكان قدوةً في النقاء والطهارة، ثم إنه تحدّى بقوة مصر الوضع القائم المفروض على الملعب المصري، وهو المنطقة العربية، فكانت مصر رائدة حرية الشعوب في المنطقة ضد الاستعمار والاستغلال، ولذلك كان للمؤامرة معنى.

الحقيقة الثالثة أن مصر أنفقت الكثير لتحرير الشعوب العربية في المشرق والمغرب، وآمنت بأن حرية العرب لا تتجزأ، فدبت الروح في جامعة الدول العربية، وتجاوزت لحظة إنشائها، حين تصوّرها أنتوني إيدن نادياً لخدمة العرب أو حلفائه، بعبارةٍ مهذبةٍ، وقيداً على المشاعر القومية، لكي تكون أداةً للوحدة العربية ومناهضة الاستعمار والصهيونية. ولذلك كانت القومية والوحدة والحرية والعداء للمؤامرة الصهيونية مكوّنات المؤامرة التي نجحت بأيد عربية ومصرية، فكان العربي محل احترام في الخارج كله، وكان مرتبطاً بمصر الناصرية التي أطلقت أحلام الاستقلال والعروبة.

الحقيقة الرابعة أن مصر كانت سنداً للعرب، فصارت مصر اليوم عالةً عليهم، وكانت تدافع عن استقلال الخليج عن بريطانيا، وعروبة الخليج ضد فارس المتواطئة مع إسرائيل والمشروع الغربي، فصار الخليج يئن من مصيبة مصر وعجزها وفسادها، وقد سمعت ذلك بنفسي في مناسباتٍ داخل مصر وخارجها، حتى صار يُساء للمصري في أرض العرب بلا مبرّر، ولا نلوم من يسيء، فالعيب في من هو سبب التردّي.

الحقيقة الخامسة، أن عبدالناصر كان مثل حسن نصر الله اليوم هدف إسرائيل، وكان يدرك أبعاد الحركة الصهيونية واستهدافها مصر أساساً. وأحيل الشباب إلى قراءة كتابه الصادر عام 1954 "فلسفة الثورة". لقد فهم عبدالناصر الداء ووصف الدواء، لكنه لم يكن قادراً في زمنه 

على فرض الحل والدواء، وقرّر أن الجسد العربي تعرّض لفيروس صهيوني قاتل، ولا بد أن يرفض الجسد هذا الفيروس، أما زعم احتوائه، فقد ثبت عند السادات فصاعداً أن الفيروس يتمكّن من مفاصل المناعة في الجسد، فاستسلم الحكم له، ولكنه يعاني الآن أمام مناعة الجسد التي تتعرّض للهجمات الفيروسية من كل جانب. ولمّا كان الفيروس يتسلل، وأنه يأبى أن يعيش وادعاً في الجسد العربي، فقد آمن عبد الناصر أن وحدة الجسد هي السبيل الوحيد لمناعته ضد هذا الفيروس، وقد أثبتت الأحداث صحة هذه النظرية، فبدأ الفيروس بغزو الجسد المصري، ويهدّد العقل المصري، ثم استدار فقضى على القلعة الأخرى، وهي العراق، ثم تقرب من الفيروسات العربية، واستعان بها على تفكيك سورية.

الحقيقة السادسة، أن الفيروس الصهيوني الذي يستند إلى قوة الغرب كله، خصوصاً القوة الأميركية يسير وفق خطةٍ مرسومةٍ وصلت إلى حد تحقيق نبوءة غولدا مائير عام 1966 "على إسرائيل أن تبذل أقصى الجهد والعرق في المرحلة الأولى، ثم تجني إسرائيل ثمار جهادها باختراق العرب، ليصبح أبناؤها أنفسهم هم الذين ينثرون الورود في مسيرة الصهيونية، وهي تحكم الطوق على بلادهم، وكانت تعني أساساً مصر. وقد قدم عاموس يادلين، مدير المخابرات الحربية الإسرائيلية عام 2010، تقريراً قدمنا له تحليلا في حينه بأن المهمة تمت في مصر.

الحقيقة السابعة، أن تراكم آثار الاختراق الصهيوني لمصر أدى إلى فقدان مصر استقلالها الحقيقي، وزعزعة إيمان المصريين بعقيدة الخطر الصهيوني، وإعانة الحاكم المصري على الفساد وحمايته. وقد أدى ذلك كله إلى اندلاع ثورة الشعب الخالدة في 25 يناير/ كانون الثاني 2011، وكانت زلزالاً مدوياً وإعلاناً عن رفض الشعب المصري المشروع وأذنابه، والميثاق غير المقدّس بين الصهيونية والحاكم المصري لإخضاع مصر تحت مخدر السلام. وهذا الخطر الذي مثلته ثورة يناير هو ما دفع رأس المشروع إلى استثارة أذنابه للإساءة إلى هذه الثورة. وأكّدتُ على الشاب أن يصمد في مواجهة أعاصير الثورة المضادة الصهيونية، وأهم ملامحها في مصر الدعوة علنا إلى التطبيع وتدفئة العلاقات مع الصهاينة مكافأة لهم، بل وقول وزير الخارجية للشباب المتفوّق أن إسرائيل لا تمارس الإرهاب، ما يعنى أن قتلها الفلسطينيين مشروع (قارن بين محمود رياض وسامح شكري يعطيك الفرق بين مصر الناصرية ومصر في عهد السيسي). وضمن هذه التجليات الدعوة إلى الوساطة المصرية، واستضافة الوفود الإسرائيلية والتنسيق الأمني ضد (العدو المشترك؟!)، وتحوّل إسرائيل إلى صديق، والسماح لسفير إسرائيل الجديد بالتصريح أن مهمته هي التقارب مع الشعب (طبعا بدعم الحكومة)، ومعناه كسر مناعة المقاومة للمشروع في الإدراك الشعبي المصري. كان الصهاينة يتآمرون على عبد الناصر، وانظر ماذا يقولون عن حكام مصر منذ السادات، وبالذات اليوم لترى الفارق بين عبد الناصر والسيسي.

الحقيقة الثامنة، موقف عبد الناصر من "الإخوان المسلمين"، فهم ساندوه عام 1952، ثم حدثت الأزمة بينهما عام 1954، ولم يكونوا ضمن السلطة. وفي عام 2012، صار رئيس الجمهورية من "الإخوان"، وصار السيسي وزير دفاعه، ثم وقعت الأزمة. في الأزمتين وفي الاقترابين، لا تزال وثائق الحقيقة غائبة. فعقب الشاب، ربما كان الموقف من "الإخوان" وجه الشبه الوحيد بين عبد الناصر والسيسي. وأضاف "لهذه الحقائق، يشعر التيار الناصري بعدم الارتياح والاقتناع بالدفاع عن المكاسب الناصرية".

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة

انشر مواضيع واحصل على ربح فوري