شارك هذا الموضوع

توازن الكون

  • الكاتب Nancy
  • تاريخ اﻹضافة 2016-10-14
  • مشاهدة 12

إن عنصر الجمال يبدو مقصودا في تصميم هذا الكون وتنسيقه وتوازنه .. ومن كمال هذا الجمال .. أن وظائف الأشياء تؤدى عن طريق جمالها ..

يقضي معظم الناس حياتهم غير مبالين بالتوازن الدقيق والانضباط البارع في هذا الكون .. ويجهلون عظمة المعنى لهذه التوازنات و التوافقات في حياتهم .. بينما أن أي خلل مهما يكن صغيرا في أي من هذه التنظيمات .. سيتسبب بمشاكل قاسية فيما يتعلق بوجود وبقاء الجنس البشري. . إن كل شيء في هذا العالم الذي نعيش فيه يسير وفق نظام محدد .. وتوازن يحفظ الكون في تناسق وتوافق  مبهر ..

إن الألفة قد أفقدتنا الوهلة والروعة التي يحسها القلب وهو ينظر إلى مثل هذه البدائع للمرة الأولى ..
ولا يحتاج القلب المفتوح الواعي إلى علم دقيق بهذا كله ليستشعر الروعة والرهبة أمام هذا الخلق الهائل الجميل العجيب للكون ..  فمشهد النجوم المتناثرة في الليلة الظلماء ..  والفجر المتشقشق بالنور الموحي بالتنفس والانطلاق .. و الغروب الزاحف بالظلام الموحي بالوداع والانتهاء .. مشاهد لا تنتهي على هذه الأرض ..

إن كل ما في الكون .. كل صغيرة وكبيرة مخلوقة بقدر .. و بقصد .. مدبرة بحكمة ونظام وتوازن .. لا شيء عبث .. لا شيء مصادفة .. 

إن تركيب هذا الكون المبهر وتركيب كل شيء فيه .. يدعو إلى الدهشة حقا ..  وينفي فكرة المصادفة نفيا باتا .. ويظهر التقدير الدقيق الذي يعجز البشر عن تتبع مظاهره .. وكلما تقدم العلم البشري كشف عن بعض جوانب التناسق العجيب في قوانين الكون ..

منذ بداية خلق الكون .. رافقت قوة انفجار الكون العشوائية دقة في طاقة جاذبيته الثقالية لا يمكن تخيلها .. وآثار الانفجار الكبير لم تكن واضحة .. فهي ضربة قديمة .. إلا أن مقادير انفجارها كانت مرتبة بعناية فائقة مختارة ..

يتجلى توازن البناء الكوني المحكم في مختلف أجزائه ابتداء من أدق الجسيمات الذرية إلى أضخم الأجرام السماوية.

وقد استطاع العلماء في العصور الحديثة التعرف على هذه الركائز الخفية من خلال دراسة الأشياء الكونية المدركة، فما هي الركائز والأسس التي ينبني عليها هذا التوازن المعجز؟

لقد حدد العلماء أربع قوى يقوم عليها بناء السماوات والأرض وهي:
تلعب القوى النووية دورا أساسيا في تماسك البناء الذري والتركيب الكيميائي لعناصر المواد، بحيث يعتبر الهيدروجين أبسط هذه العناصر، بيد أن نواته مركبة من بروتون واحد وإلكترون يحوم حولها. والبروتونات هي جسيمات دقيقة تحمل شحنة كهربائية موجبة داخل نواة الذرات، وكل عنصر من عناصر المادة يحمل عدد محدد من هذه الجسيمات الموجبة، فنوات الهليوم تحتوي على بروتونين والكربون يحتوي على ستة بروتونات والأوكسجين يحتوي على ثمانية..
فالنيوترونات تعتبر المكون الثاني للنواة الذرية، وهي جسيمات محايدة ليس لها شحنة كهربائية، أما الإلكترونات فهي جسيمات حاملة لشحنة كهربائية سالبة تتجاذب مع الشحنات الموجبة المتواجدة بالنواة، وفي كل ذرة يكون عددها يساوي عدد البروتونان مما يشكل توازن على صعيد الشحن الكهربائية خلافا للبروتونات والنيوترونات.
وتتواجد الإلكترونات خارج النواة بحيث تحوم حولها في مدار داخل الذرة وعلى مسافة تحافظ على تباعد الشحنات المتعاكسة؛ فإذا كانت الشحنات المتعاكسة للجسيمات تحدث تجاذبا فيما بينها؛ فإن القوة الكهربائية بين البروتونات ذات الشحنات المتشابهة تفرض قوة تنافر هائلة تبلغ عشرة ملايين مليار طن داخل النواة الذرية، فكيف تبقى البروتونات مجموعة في هذا الحيز الضيق؟ إنها القوى النووية التي تعمل على مسافة قصيرة جدا لكن شدتها أقوى بكثير من القوى الكهربائية التي تأثر على جميع الجسيمات النووية.
ومن هذا المنطلق نجد أن القوى النووية تعمل على ضمان استقرار بنية نويات العناصر الكيماوية في الطبيعة، فتماسك البروتونات القوي يحول دون حدوث تحولات أو تغييرات فيها، فعدد البروتونات لا يمكن أن يتغير إلا عن طريق التفاعلات النووية التي تحتاج إلى طاقة جد هائلة، لذلك لاحظ العلماء أن قلب بعض النجوم يوفر العوامل الملائمة لحدوث مثل هذه التفاعلات، بحيث يتحول غاز الهيدروجين إلى الهليوم وتتكون العناصر الأخرى.
بينما تحكم القوى النووية والكهرومغناطيسية العالم الذري والجزيئي تتميز قوى الجاذبية بالسيادة الكونية. فالجاذبية هي التي تنظم حركة المجرات والنجوم والكواكب. فبفضل هذه القوة يدور القمر حول الأرض وتدور الأرض حول نفسها، وتدور الأرض والقمر وكواكب المجموعة الشمسية حول الشمس، وتدور المجموعة الشمسية حول مجرة درب التبانة، كما أن جميع المجرات تسبح في حركة مضبوطة وتوازن محكم بفضل قانون الجاذبية.


 يقدر العلماء أنه يوجد أكثر من ثلاثمائة بليون مجرة في كل الكون ولتلك المجرات عدد من الأشكال المختلفة الحلزونية و الإهليلجية وغيرها ..  وكل واحدة تحتوي من النجوم بقدر ما يحتوي الكون كله من المجرات .. وأحد تلك النجوم هو الشمس ولها تسعة كواكب أساسية تدور حولها في توافق عظيم ..

انظر حولك .. هل إن ما تقع عليه عينك يتسم بالفوضى والعشوائية .. أم بالانتظام والدقة ؟

لكن كيف يمكن للمادة أن تكون قد شكلت مجرات منظمة إذا كانت تبعثرت عشوائياً ؟ لماذا تجمعت وتراكمت المادة عند نقاط معينة وشكلت النجوم ؟

 كيف أمكن للتوازن الدقيق المرهف لمجموعتنا الشمسية أن يكون قد انبثق من انفجار عنيف .. تلك الأسئلة هامة جداً لأنها تقودنا إلى السؤال الحقيقي الذي هو ..  كيف تركب الكون بعد الانفجار الكبير ؟.


إذا كان الانفجار الكبير في الحقيقة هو انفجار هائل وعظيم .. فمن المعقول أن تكون المادة تبعثرت في كل مكان بشكل عشوائي .. لكنها حالياً ليست كذلك .. وبدلاُ من ذلك نراها منظمة في كواكب ونجوم ومجرات وعناقيد مجرية ومجرات فوق عنقودية وعناقيد عملاقة .. وكأن ذلك يماثل انفجار قنبلة في مخزن قمح وأدى
لسقوط كل حبات القمح على أكياس مرتبة ومعبأة .. محمولة على ظهور عربات نقل وجاهزة للتسليم بدلاً من تناثرها كالمطر بشكل قطرات في كل اتجاه ..

فما هذا التركيب العجيب لهذا الكون الذي يدفعنا للدهشة الشديدة ؟


تقتضي نظرية الانفجار الكبير أن الكون بدأ بانفجار واحد .. والشيء البديهي والطبيعي إن أي انفجار يحدث يلقي المادة ويفرقها كلياً .. بينما الانفجار الكبير في كوننا هذا أنتج بشكل غامض وسري تأثيراً معاكساً فجعل المادة تتجمع وتتراكم مع بعضها البعض في شكل مجرات بدل تبعثرها ..
إن اصطلاح الضربة الكونية أو الانفجار العظيم الذي يوضح نشوء الكون فيه شيء من الخطأ كاسم  .. فالانفجار كما هو معروف ينشأ عنه فوضى وليس نظام ..

لكن .. قدر للمادة التي نتجت من الانفجار الكبير أن تكون أشكالاً منظمة مرتبة .. وهذا في الحقيقة شيء غريب وغير متوقع .. وحدوث مثل تلك التوافقية والانسجام بين أجزاء الكون كله .. يقودنا إلى حقيقة ..

هذا الكمال المدهش والرائع ..

هي أن الكون كله كان نتيجة الخلق الكامل لهذا الكون المبهر من قبل الله ..

الناس الذين سمعوا عن الانفجار الكبير لم يهتموا بتفاصيل بالموضوع .. ولم يفكروا في هدف هذا الانفجار والغاية منه وما يختفي خلفه ... ذلك بأن فكرة الانفجار لا توحي لمعظم الناس بوجود أي توافق أو خطة أو تنظيم بين مكونات الانفجار .. لكن الأمر في هذا الانفجار الكبير مختلف .. لوجود عدد من المظاهر المحيرة جداً في الترتيب المعقد الذي نتج عن هذه الظاهرة  ..

أحد تلك الأمور المحيرة والمربكة .. تلك التي تتعلق بالتسارع الناتج عن قوة الانفجار .. فعندما حدث الانفجار بدأت المادة تتحرك بسرعة هائلة في كل الاتجاهات .. توجد نقطة أخرى هامة يجب أن نلفت الانتباه إليها .. وهي وجوب وجود قوة تجاذب كبيرة جداً منذ اللحظة الأولى للانفجار .. أي إن القوة الجاذبة كانت كبيرة بشكل يكفي لتجمع كل الكون في نقطة واحدة.

هكذا كان هناك قوتان مختلفتان تعملان متعاكستين .. الأولى قوة الانفجار وهي تدفع المادة بعيداً ونحو الخارج .. بينما قوة التجاذب والتي تحاول أن تقاوم الأولى تجذب كل شيء إلى العكس .. وهما تعملان معاً في كل أرجاء الكون وفي كل لحظة ..  وقد ظهر الكون إلى الوجود بسبب عمل هاتين القوتين اللتين كانتا في حالة توازن لأنه إذا كانت قوة التجاذب أكبر منها للانفجار .. فالكون سوف ينهار داخلياً على نفسه ..  أما إذا كانت قوة الانفجار الخارجية المعاكسة أكبر .. فالمادة سوف تتناثر في كل اتجاه بطريقة عشوائية .. لا اتحاد إطلاقاً  .. وإن مادة الكون ستكون قد اختفت كلياُ ومنذ زمن بعيد.
إذن كم هي عظيمة حساسية ذلك التوازن ؟
وكم هو دقيق عامل تخفيف السرعة والموجود بين هاتين القوتين ؟


أجرى عالم الفيزياء الرياضي ( باول ديفز ) الأستاذ في جامعة (إديليارد) في استراليا حسابات مطولة للشروط والظروف التي ربما وجدت لحظة الانفجار الكبير .. وتوصل إلى نتيجة على الأقل يمكن وصفها بأنها مذهلة ..  فوفق حسابات ديفز إذا اختلف معدل التمدد بأكثر من ( 10 - 18 من الثانية ) فيجب ألا يكون هناك كون.
ووصف (ديفز ) استنتاجه .. أوصلت القياسات الدقيقة معدل التمدد لقيمة حدية قريبة جداً للقيمة التي عندها سيهرب الكون من جاذبيته الخاصة ويبقى يتمدد إلى الأبد .. أما لو أبطأ قليلاً وكان معدل تمدده أقل من القيمة الحدية له فسوف ينهار الكون على نفسه .. ولو كان أكثر سرعة بقليل فإن مادة الكون ستكون قد اختفت كليا ومنذ زمن بعيد.

من المثير أن نسأل بدقة كيف هي رقة ورهافة معدل التمدد هذا ؟ وكيف أمكن ضبطه وتنظيمه ليقع على خط التقسيم الضيق الفاصل بين الحدثين الأخيرين ؟

إذا أسسنا نموذجاً زمنياً للانفجار وبشكل صارم فبعد ثانية واحدة يكون معدل التمدد قد تغير عن قيمته الحدية بما يزيد عن 10 – 18 و هذا كاف لأن يلقي بالتوازن الدقيق المرهف بعيداً ..  وهنا تكتشف أن قوة الانفجار للكون تلاءمت وتوافقت بدقة لا معقولة مع قوة جاذبيته الثقالية ..  والانفجار الكبير هو بالتأكيد ليس انفجاراً عبثياً إنما كان انفجاراً منظماً ومقدراً بعناية فائقة وإتقان ..

فإذا كانت كثافة الكون أكثر بجزء صغير جداً مما هي عليه ففي تلك الحالة ووفق نظرية (اينشتاين ) في النسبية .. فالكون سوف لن يتمدد بسبب قوة التجاذب الهائلة للجسيمات الذرية .. وبدلاً من ذلك فإنه يتقلص وأخيراً ينتهي ويزول في نقطة.
أما إذا كانت الكثافة الابتدائية أقل بجزء ضئيل صغير .. فالكون سوف يتمدد فجأة لكن في هذه الحالة لا تتجاذب الجسيمات الذرية مع بعضها .. وبالتالي لا تتشكل إطلاقاً أية نجوم أو مجرات .. وبالنتيجة لن يظهر الإنسان في هذا الكون أبداً ..

هذا يشبه وضع قلم رصاص في وضعية يقف فيها على طرفه الحاد لمدة تزيد عن بليون سنة .. وطالما أن الكون يتمدد فإن ذلك التوازن سوف يصبح أكثر دقة ..


واحد من أهم  التوازنات في كوكبنا هو الغلاف الجوي الذي يحيط بنا .. الغلاف الجوي للأرض والذي يحافظ على أنسب الغازات بأنسب النِسب التي ليست اللازمة لبقاء البشر فحسب بل لكل الكائنات الحية على الأرض.
إن نسبة 77% من النيتروجين و 21% من الأوكسجين و 1% من ثاني أُكسيد الكربون بالإضافة إلى باقي الغازات الموجودة في الغلاف الجوي تمثل الأرقام المُثلى اللازمة لبقاء الكائنات الحية ..

  الأوكسجين ..هو الغاز الفعّال بالنسبة للكائنات الحية الذي يساعد طعامنا لينضج ثم ليتحول إلى طاقة في داخل أجسادنا .. إذا ازدادت كمية الأوكسجين في الغلاف الجوي عن 21%  تبدأ الخلايا في أجسادنا في التلف بسرعة أكبر .. كما أنجزيئات الهيدروكربون اللازمة للحياة سوف تتدمر .. أما إذا نقصت هذه الكمية فسنشعر بصعوبة في التنفس .. سوف يتسبب ذلك بصعوبة في تنفسنا ..  كما لن يتحول الطعام الذي نأكله إلى طاقة .. إذًا نسبة 21% من الأوكسجين في الغلاف الجوي هي الكمية الأكثر تناسبًاللحياة ..

إن نسبة الأوكسجين توجد عادة في الهواء بنسبة 21 بالمائة .. فلو كان الأوكسجين مثلا بنسبة 50 بالمئة فماذا سيحدث ؟؟

 إن جميع المواد القابلة للإحتراق في العالم تصبح عرضة للإشتعال .. لدرجة أن أول شرارة من البرق تصيب شجرة لا بد أن تلهب الغابة ..

لا يتوقف الأمر على الأوكسجين فقط .. فالغازات الأخرى مثل النيتروجين وثاني أكسيد الكربون أيضًا .. قد أُعِدا بكميات مثالية لاحتياجات الكائنات الحية ولاستمرار الحياة ..

كمية النيتروجين في الغلاف الجوي هي النسبة المثالية لتوازن آثار حرق الأوكسجين مع أضراره .. هذه النسبة تُمثل القيمة اللازمة والأنسب للتركيب لعملية البناء الضوئي التي تُعتبر جوهر طاقة الحياة على الأرض ..  بالإضافة لذلك كمية ثاني أكسيد الكربون هي القيمة الأنسب اللازمة للحفاظ على استقرار حرارة سطح الأرض ولتعيق خسارة الحرارة وخصوصًا في الليل ..  هذا الغاز يُؤلف 1% من الغلاف الجوي ..  ويغطي الأرض كلحاف أو كدرع يقي من خسارة الحرارة في الفضاء ..  إذا ازدادت هذه الكمية ستزداد درجة حرارة الأرض بشكل مفرط .. وهو ما قد يؤدي لتقلب مناخي والتالي إلى تهديدات خطيرة ضدّ الكائنات الحية.


والسؤال الآن هو .. على ماذا يدل مثل هذا التوازن الدقيق المميز ؟

والجواب المقنع الوحيد على هذا السؤال .. هو أن تلك الدقة تبرهن على وجود تصميم مدرك في هذا الكون المبهر ..  وأنه لا يمكن أن يكون ذلك مصادفة .. فمن الصعب أن نقاوم تركيب الكون الحالي .. إذا يبدو أنه حساس جداً لتبديلات الأعداد .. فهي تميل لأن تكون مدروسة بحذر شديد .. وعلى ما يبدو .. إن الطبيعة اختارت لثوابتها الأساسية قيماً عددية بتوافق غريب معها .. بحيث تبقى هي الدليل الأكثر قوة في جوهر التصميم الكوني ..

تعتبر سرعة الانفجار الكبير واحدة من الحالات المعتبرة للتوازن الدقيق منذ اللحظة الابتدائية للخلق وفور وقوع الانفجار كانت القوى التي تشكل الكون الذي نعيش فيه مضبوطة عددياً بشكل صحيح تماماً ..  لأنه لو وجد أي خلاف عن ذلك فلن يكون هناك كون  ..
لقد خلق الكون ونظّم بشكل يهدف إلى الحفاظ على حياتنا ..
فمثلاً إذا كانت قوة الجاذبية الثقالية أقوى بتريليون مرة .. فالكون سيكون غاية في الصغر وتاريخ حياته قصير جداً .. فمن أجل نجم متوسط كتلته أقل بتريليون مرة منها للشمس فسوف لن تمتد حياته لحوالي سنة .. ومن ناحية أخرى إذا كانت الجاذبية الثقالية أقل طاقة ..  فلن تتشكل نجوم ولا مجرات إطلاقاً .. وكذلك فإن العلاقات الأخرى والقيم ليست أقل حدية من ذلك ..  فإذا ضعفت القوة القوية بمقدار قليل جداً فسيكون العنصر الوحيد المستقر هو غاز الهيدروجين .. ولن توجد ذرات لعناصر أخرى في هذه الحالة .. وإذا كانت أقوى بقليل بعلاقتها مع الكهراطيسية عندئذ تحتوي نواة الذرة على بروتونين وسيكون ذلك مظهراً لاستقرار الكون عندئذ وأنه لن يحتوي على غاز الهيدروجين .. وإذا تطورت نجوم أو مجرات فيه فسوف تكون تماماً عن طبيعتها الحالية .. واضح أنه إذا لم يكن لتلك القوى المختلفة وثوابتها القيم التي أخذتها بالضبط فسوف لن يكون هناك نجوم ولا كواكب ولا ذرات ولا حياة ..
لكن ماذا لو اختارت الطبيعة مجموعة أعداد تختلف قليلاً عما هي عليه فعلاً ؟

الجواب هو .. أن العالم سيكون مكاناً مختلفاً تماماً ونحن سوف لن نكون هنا لنراه .. والاكتشافات الحالية المتعلقة بالكون البدائي يجبرنا على قبول أنه قد تم ضبط الحركة في الكون المتمدد بنظام مبهر ودقة مدهشة ..


المسافات الفاصلة بين الأجرام السماوية وطريقة انتشارها في الكون تعتبر ملائمة ولازمة لاستمرار الحياة على الأرض فهذه المسافات الفاصلة مرتبة وموجودة بطريقة تتلاءم مع القوى المؤثرة وبالتالي تشكل عاملا ضروريا للحياة على كوكب الأرض، وكذلك تعتبر هذه المسافات الفاصلةعاملا مؤثرا على باقي الكواكب وأفلاكها تأثيرا مباشرا، ولو كانت هذه المسافات أصغر قليلا لأثرت قوى الجذب الهائلة الموجودة بين كتل النجوم المختلفة وبالتالي أدى ذلك إلى إحداث خلخلة في أفلاك الكواكب، وهذه الخلخلة كانت ستؤدي حتما إلى تفاوت كبير في الحرارة، ولو كانت هذه المسافات أكبر قليلا لتشتتت المعادن المنطلقة من النجوم العملاقة ولما نشأت كواكب مثل الأرض. وتعتبر المسافات الكونية الحالية مثالية وملائمة لنشوء مجموعات شمسية كالتي ننتمي إليها.

ويقول البروفيسور مايكل دينتونMichael Dentonالأخصائي في الكيمياء الحيوية في كتابه ‘’مصير الطبيعةNature’s Destiny:

إن المسافات الفاصلة بين النجوم العملاقة بل كافة النجوم تعتبر قضية حساسة جدا، فهذه المسافات تقدر كمتوسط لها بـ 30 مليون ميل بين نجوم مجرتنا، ولو تغيرت هذه المسافات بأن تكون أقل قليلا لأصبحت مدارات الكواكب غير مستقرة، ولو كانت أكبر قليلا لكانت المادة المنطلقة من قبل النجوم المنفجرةسوبر نوفا متشتتة تشتتا كبيرا للغاية لدرجة ينعدم معهتشكل مجموعات شمسية مثل التي ننتمي إليها. فإن كنا نريد كونا صالحا وملائما للحياة لكان من الضروري استمرار النجوم المنفجرة في الانفجارعلى وتيرة معينة. علما أنّ هذه الانفجاراتتعتبر محددة للمسافات المعينة الفاصلة بين النجوم، وإن هذه المسافات البعيدة والمحددة موجودة فعليا وتمارس تأثيرها المباشر 12.

أما البروفيسور جورج كرنشتاينprof. George Greensteinفيتحدث عن هذه المسافات الشاسعة في كتابه ‘’الكون التكافليThe Symbiotic Universe’’قائلا:

إذا أصبحت النجوم أقرب مما هي عليه الآن فلا يحدث إلا فرق طفيف في المفاهيم الفيزيائية الفلكية، فقد لا يحدث أي تغيير في العمليات الفيزيائية الجارية في النجوم وفي الأجرام السماوية الأخرى، ولو نُظر إلى مجرتنا من نقطة بعيدة عنها فلا يمكن تمييز أي تغيير فيها عدا أن عدد النجوم التي نراها ونحن مستلقين على الأعشاب يصبح أكثر. عفوا أود أن أضيف أن هناك فرقا آخر يحدث وهو استحالة وجود إنسان {مثلي}يلقي نظرة على هذه النجوم فهذه المسافات الشاسعة والهائلة الموجودة في الفضاء شرط أساسي لوجودنا 13.

ويوضح كرينشتاين سبب هذابأن الفراغات والمسافاتالبينية الموجودة في الفضاء تعتبر عاملا رئيسيا في تأمينالمتغيرات الفيزيائية بشكل ملائم لحياة الإنسان. ومن ناحية أخرى فإن هذه الفراغات البينية الواسعة تحول دونارتطام أرضنا بالأجرام السماوية العملاقة السابحة في الفضاء. وملخص القول أن طريقة انتشار وتوزيع الأجرام السماوية في الكون تتلاءم في أبعادها ومواضعها مع حياة الإنسان و استمراره وأن هذه الفراغات لم تأت اعتباطا أو بصورة عشوائية بل تعتبر نتيجة لعملية خلق من أجل غاية معينة، ويقول الله عز وجل في آيات عديدة بأن السماوات والأرض خلقتا من أجل حكمة معينة

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة

انشر مواضيع واحصل على ربح فوري