شارك هذا الموضوع

في ذكرى توليه حكم مصر.. هكذا استطاع «محمد علي» تحقيق أحلامه

  • الكاتب MY Dream
  • تاريخ اﻹضافة 2016-10-07
  • مشاهدة 5

قبل ما يزيد على مائتي عام، تولى «محمد علي» حكم مصر رسميًّا؛ بـ«فرمان» من «السلطان العثماني»، وإن جاء دون رغبة حقيقية من السلطان؛ لتبدأ مسيرة حكم الرجل الذي عرفناه عبر كتب التاريخ والروايات والأعمال الدرامية بـ «مؤسس مصر الحديثة»، بحيث أصبح ذلك من المسلمات لدينا، وخلال السطور القادمة نعيد القراءة حول هذا الرجل عبر أطروحة الدكتور «خالد فهمي» الأشهر «كل رجال الباشا» التي يتناول فيها تاريخ مصر أثناء فترة حكم محمد علي في مفهوم مغاير للصورة التي وصلتنا عن الرجل، كمخلّص أنقذ مصر من الحكم العثماني الظالم، ويستخلص من خلال الوثائق التي كتبت بيد الباشا، أو عنه، الظروف التي عاشها المصريون، والجنود الذين ضمّهم جيش محمد علي تحديدًا، ليقدم صورة يفتقر إليها تاريخ مصر الحديثة عن التاريخ الاجتماعي، وليس السياسي لتلك الفترة، كما نطرح على الدكتور خالد فهمي في النهاية تساؤلات تتعلق بإرث محمد علي، ونعرّج من خلاله على الواقع المصري، والعبر التي يمكن استخلاصها من فترة حكمه.

في مؤلفه يمكّننا د. خالد فهمي من أن نتخيل حياة جندي افتراضي في هذا الجيش، منذ بداية انضمامه، وحتى النهاية التي يمكن لنا تخيلها، ويتتبع أيضًا خلال سرده لحياة الجنود الكيفية التي غيرّ بها هذا الجيش وجه المجتمع المصري كله في ذلك العصر.

توسعات الباشا

يتناول الكاتب ـ في البداية ـ توسعات الباشا العسكرية، ويشرح أن أهدافها، و أسبابها، لم تكن جزءًا من «استراتيجية» كبرى، وأن كل حملة كان لها أسبابها التاريخية الفريدة، كما يتفق المؤرخون؛ فحملة الحجاز كانت استجابة لأمر السلطان لإخماد «الثورة الوهابية». فيما كانت حملة السوادن فرصة أخرى للباشا للتخلص ممن بقى من «المماليك والألبان»، وكانت قد أغوته ادعاءات وفرة مناجم الذهب هناك، إلى جانب أنه كان يفكر في تجنيد السوادنيين في الجيش الذي كان يفكر في إنشائه.

ثم كانت الحملة اليونانية، استجابة أيضا لأمر السلطان لإخماد الثورة التي لم تتمكن الحكومة المركزية من إخمادها، أما حملة سوريا، التي اعتُبرت أهم حروب محمد علي، فقد كانت رغبة منه في إقامة منطقة عازلة بين قلب أملاكه في وادي النيل،، ومركز «الدولة العثمانية» في «الأناضول».

ربما اختلفت الأسباب التي رجحها المؤرخون ـ إذن ـ وراء كل حملة، لكن ما أجمعوا عليه أن محمد علي أراد دائمًا أن يوسع ملكه خارج مصر.

التجنيد قسرا

بعد أن يستعرض الكاتب في أول فصول كتابه الحملات التي خاضها محمد علي، يدع حكايات الباشا وانتصاراته جانبًـا، وينتقل بنا إلى مشهد مختلف؛ حيث الفلاحون الفقراء الذين تكوّن منهم جيش محمد علي، فيبدأ الحكاية من جانب الفلاحين، ويتتبع قصص آلاف الرجال من كل أنحاء مصر، الذين اضطروا لترك عائلاتهم وأراضيهم؛ وسعوا خلف الباشا في حملاته المختلفة، وحققوا انتصاراته، محاولًا الكشف عما تعرضوا له.

ما يؤكده الكاتب هو أن فكرة إنشاء جيش نظامي مصري، وإن كان محمد علي هو من سبق إليها، إلا أنه اضطر لتجنيد المصريين في جيشه، وأن فكرة تجنيدهم، لم ترد في ذهن الباشا، إلا حين استنفد الخيارات الأخرى. ويستعرض الكاتب كيف استبعد الباشا المماليك أولًا؛ حين أيقن أنهم سيقاومون أية محاولات لإدخال «تكتيكات» وتدريبات حديثة باستماتة؛ وسيعتبرونها محاولة لإلغاء النظام القديم لتبديل أوضاعهم المتميزة.

وكان العنصر الثاني الذي استبعده محمد علي سريعًا هم الألبان؛ إذ تبين له صعوبة التعامل معهم؛ إذ اعتادوا أن يثوروا عليه ثورات صغيرة في شوارع القاهرة؛ مطالبين برفع رواتبهم، أو العودة إلى بلادهم. بعدها فكر محمد على في تجنيد السودانيين؛ محاولًا تجنب تجنيد فلاحي مصر؛ حتى لا يُبعد القوى المنتجة عن قطاع الزراعة، الذي يعتبر مصدرًا رئيسا للدخل.

محمد علي

اتجهت أنظار الباشا للسودان إذن – كما يشير الكاتب- فأرسل حملتين إليه، اهتمتا بجمع الرجال، وكانت المشكلة التي ظهرت سريعًا هي صعوبة تأمين نقلهم إلى القاهرة؛ إذ كانت أعداد كبيرة منهم تموت في الطريق، وفشلت محاولات تأمين نقلهم عبر السفن؛ ليجد الباشا أن الجهد والمال المبذول يُنفَق كله تقريبا ليأتي «العبيد» فيموتوا أمام عينيه.

هنا فكر محمد علي في تجنيد المصريين، فأوصى ضباطه ـ في البداية ـ بالقيام بهمتهم في تجنيد الفلاحين من القرى برفق، لكن هذا التفكير كان خياليًا من جانبه، ففي ظل الافتقار إلى أية معلومات عن السكان، وعدم وجود نظام طبي لفحص المجندين، كان ما يحدث فعلًا أن الضباط يهبطون إلى القرية، ويلقون القبض على رجالها، ويربطونهم بحبال حول أعناقهم، ويقتادونهم إلى معسكرات التدريب، تاركين خلفهم «جماعات حزينة محطمة القلب» من الزوجات والأمهات والأطفال، يبكين ويحاولن ـ دون جدوى ـ استعادة رجالهن من الجنود.

أنهى التجنيد الأيام التي كان فيها الوالي العثماني أو الأمير المملوكي يصدر أمرًا ما فيتجاهله السكان عمليًا أو يتجنبونه، لقد غير التجنيد وجه المجتمع المصري بعنف.

في مواجهة التجنيد

ثم يركز الكاتب على الطريقة التي واجه بها السكان التجنيد؛ إذ لم ينجح محمد علي في إقناعهم بالالتحاق بالجيش بإرادتهم، وواجهه الفلاحون بالتمرد والهرب من رجاله؛ بمجرد سماعهم بقدومهم إلى إحدى القرى؛ لتجنيد رجالها، حتى أن رجال محمد علي عثروا على قرية كاملة مهجورة؛ فضّل أهلها ترك بيوتهم، وأراضيهم؛ هربًا من التجنيد، وهو ما ضاعف الضرر على الحكومة أيضًا بوجود أراضي زراعية بلا رعاية.

كانت مهمة القبض على الهاربين «المتسحبين» تقع على عاتق شيخ القرية، وكان الفلاحون يهربون إلى القاهرة أحيانًا؛ إذ لا يعرفهم أحد، ولاحقتهم السلطات ـ أيضا ـ إلى هناك، بإصدار القوانين التي تعاقب مرتكبي هذه الأفعال، وحين أدرك الفلاحون عدم جدوى الفرار الجماعي لجئوا لأعمال التمرد الفردية، وبينها تشويه أنفسهم عمدًا، وعاقبهم الباشا أيضًا بالسجن مدى الحياة، وبتجنيد أقاربهم بدلًا منهم.

يواصل الكاتب استعراض الطرق التي تعاملت بها السلطات لتحكم قبضتها على السكان، حيث لجأت إلى جمع المعلومات عنهم، وإعداد «دفاتر» بأسماء الجنود؛ تجنبًا لهروبهم، وللتمكن من تتبع الفارين منهم، وتحول المجتمع ـ منذ ذلك الحين ـ فظهر ما يمكن تسميته بـ«دفترة الواقع»؛ إذ ضُغط على الناس والأشياء؛ ليكونوا على مقاس «خانة» يفرضها عليهم دفتر، أو كشف التمام.

لا شيء يمثل طغيان الكلمة المكتوبة وأثرها على الأشياء أكثر من مصطلح «قيد» الذي استُخدم في عهد محمد علي بمعنى التجنيد

أصبح الفلاحون في معسكرات التدريب إذن، فكيف سارت الأمور هناك؟ يتتبع الكاتب في الفصل التالي التصورات النظرية التي قامت عليها التقنيات الجديدة للانضباط والنظام، بعد أن دخل مصر نظام جديد للسلطة أكثر كفاءة ومركزية.

يصف الكاتب كيف حاولت السلطات العسكرية فرض الانضباط على الفلاحين، وتحويلهم إلى جنود مدربين، مستخدمة تصورًا جديدًا عن السلطة «يعمل من حيث المبدأ ـ على الأقل ـ بغير لجوء إلى الإفراط في استخدام القوة أو العنف»؛ إذ كانت حراسة الجنود لمنعهم من الهرب تتطلب الاستعانة بالبدو الذين كانت السلطات ـ أساسًا ـ تستعين بالجيش أحيانًا لإخضاعهم، وبالتالي كان السؤال هو: من يحرس الحراس؟ وهذا ما أدركته السلطات، فجعلت هدفها الأساسي أن تطبع في أذهان الجنود فكرة الاعتقال، في نظام يستهدف إخضاع العقول، لا الأجساد وحدها.

ويستعرض الكاتب اللوائح والقوانين العسكرية التي استخدمها الجيش لفرض الانضباط، مشيرًا إلى أفكار الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي «ميشيل فوكو» عن السلطة الحديثة، التي ليس لها مركز واحد، وتعتمد على الإبداع، لا على العنف والهيمنة، ويظهر في مواجهتها مقاومة لا مركزية أيضًا، وموزعة على الجسد الاجتماعي، ويرصد الكتاب حالات المقاومة والتمرد ضد السلطة الحديثة.

هل حقا نُفذت قوانين الباشا؟

في الفصل التالي يعود الكاتب لمصادر مختلفة؛ ليتتبع النتائج التي حصدها الباشا بقوانينه التي هدفت لضبط أداء الجنود؛ ليجيبنا عن سؤال، حول ما إذا كان النظام الموجود في كتيبات التدريب قد تم اتّباعه بالفعل.

يعرض لنا في البداية كيف دارت موقعة «قونيا»، على لسان أحد المؤرخين لافتًا إلى أن المشهد كما تصفه الروايات ـ غالبًا ـ يصف حركة الوحدات، بدلًا من الأفراد، متناسيًا أن المعارك أحداث دموية متوترة وفوضوية، ولذلك يشكك الكاتب في أن تكون هذه هي الكيفية التي تسير بها المعارك فعلًا، خاصة وأن الوثائق تكشف عن محكمة عسكرية انعقدت بعد خمسة أشهر من المعركة – التي وصفت بهذه الطريقة الرائعة – للتحقيق في أسباب عدم مشاركة اللواء الأول للفرسان في المعركة، وهو ما يقدم صورة مختلفة تمامًا عن الصورة المرسومة في كتيبات التدريب والقوانين، وحتى في كتابات المؤرخين.

لذا يؤكد الكاتب أن الاطلاع على القوانين والقرارات الرسمية لا يكفي للحكم على فترة ما، ولا لكتابة تاريخها؛ لأن الأمور في الواقع لا تمضي طبقًا لها؛ فالباشا ـ أحيانا ـ كان يتغاضى هو نفسه عن بعض القوانين؛ لتفادي أوضاع خطيرة، وفي سبيل استقرار حكمه.

أحوال الجنود والحنين إلى الوطن

محمد علي

يشير الكاتب إلى أن الجنود داخل المعسكرات عانوا من عدم توفر الطعام اللائق أحيانا، ومن تأخر قدوم الكسوة إليهم، حيث كان الاهتمام في المقام الأول بمظهر الضباط، وتردت العناية الطبية بالجنود، بالرغم من حرص الباشا على الحفاظ على رجاله الذين كلفه تدريبهم، لكن التطبيق الفعلي أسفر عن مستشفيات لا تتوفر فيها شروط البيئة الصحية النظيفة، وتفتقر إلى الاعتمادات المالية التي توفر لها احتياجاتها. وإلى جانب هذه الأوضاع كان يعذبهم الحنين إلى الوطن، وتخيل ما يمكن أن يكون قد حدث لعائلاتهم وأراضيهم.

لماذا حارب الجنود، وانتصروا؟

يقترب الكاتب أكثر في الفصل التالي من الجنود؛ ليكمل الصورة التي أراد الكشف عنها، فيحكي كيف خلت الوثائق من أي وصف لأية جنازة، سواء لضابط أو لجندي، والأكثر ـ كما يتضح ـ من الوثائق ـ أيضًا ـ أن المتوفى كان يعني للسلطان اسمًا سيتم شطبه من الدفتر حتى توقِف السلطات صرف راتبه، وتتسلم متعلقاته؛ باعتبارها ملك السلطات.

وهنا يطرح الكاتب سؤالًا مهمًا هو : طالما كان الجنود يتغذون تغذية سيئة، ولا يتلقون أجورهم بانتظام، ولا يحصلون على ملابس مناسبة، فضلًا عن حرمانهم من الدفن بشكل مشرف، فلماذا واصلوا القتال؟ وإذا ما كان القسر يفسر وجودهم في الوحدات، فمن كان يجبرهم على القتال الذي حقق انتصارات مشهودة في المعارك؟ وكيف أمكنهم في لحظات الاقتراب الشديد من الموت في ساحات المعارك إطاعة الأوامر والتقدم نحو العدو؟

لا تصف المصادر مشاعر الجنود خلال هذه الأوقات العصيبة، غير أن الكاتب في محاولاته للبحث عن الإجابة، يوضح أن إحدى الإجابات الممكنة هي أن الجنود لم يكن بإمكانهم فعليًا مغادرة موقع المعركة؛ فتوزيع «إبراهيم» لقواته في المعارك كان يتضمن دائمًا قوات فرسان غير نظامية متأهبة في مؤخرة الجيش، يرجح الكاتب أن دورها كان القبض على أي هارب؛ ليجد الجندي حياته بين شقي رحى، العدو أمامه والحراس في يقظة دائمة خلفه، فكان بغريزة البقاء يقاتل العدو بشجاعة؛ ليحفظ حياته هو، ولينجو من المحاكمة العسكرية؛ إن فكر في التراجع.

استقلال مصر لم يكن الهدف

ما سعى لإثباته د. خالد فهمي في هذا الكتاب هو أن محمد علي لم يكن يهدف لاستقلال مصر، ولم يحرر مصر من الحكم العثماني الأجنبي؛ فبمتابعة ما حدث في التجنيد نجد أن المصريين اعتبروه ضريبة ثقيلة لنظام قمعي، وأن «الآخر» في نظرهم كان قادتهم في الجيش، وليس العدو الذي يحاربونه.

محمد علي

كان هدف الباشا ـ إذن ـ هو تكوين إمبراطورية يحكمها وترثها عنه ذريته، وهذا هو ما جنّد المصريون لتحقيقه، ولم تكن معاداة بريطانيا له بسبب سياساته الإصلاحية في مصر، وإنما رفضًا لجهوده في بناء إمبراطوريته الخاصة؛ إذ كانت توسعاته تهدد أملاكها في آسيا. وسوى ذلك فقد أفاد وجوده البريطانيين، وسمح بدخول المزيد من السلع البريطانية إلى السوق المصرية، وأمن طريقها البري إلى الهند.

لم يكن الدافع وراء الإصلاحات التي قام بها محمد علي في مصر رغبة منه في النهوض بالمصريين، أو إنقاذهم من القهر؛ لأنه كان في النهاية رجلًا عثمانيًا نشأ على أراضي الدولة العثمانية، وتحدث اللغة التركية، وما أكده الكاتب عبر صفحات كتابه أن الجيش الذي كوّنه الباشا جاء في سياق عثماني أوسع، وأن إصلاحاته في مصر كانت تهدف لتأمين أوضاعه هو كوالٍ على مصر يدرك أن تعيينه كان ضد رغبة السلطان، ولهذا سعى دائما لبناء قوات خاصة تحميه.

لذا يؤكد الكاتب أن جيش الباشا لم يكن مؤسسة وطنية، وأن فكرة وطنية الجيش التي جاءت في كتابات المؤرخين لاحقًا، لم ترد في ذهن الباشا مطلقًا، ولا في أذهان الجنود، وأنه لم يحدث، ولو على سبيل التظاهر، تصوير المعارك على أنها دفاع عن مصر.

وأن دور محمد علي في هذا الصدد جاء باستبعاده للمصريين من المناصب العليا في الجيش؛ فساعد على إدخال آلاف المصريين في تجربة متجانسة؛ إذ جمعتهم مشاعر الإحباط والكراهية تجاه النخبة العسكرية التي تتحدث التركية، وتسيطر على المراتب العليا في الجيش دونهم، وهذا ما كان له دور فعلًا في نمو الحس الوطني، وإدراك الجماعة المصرية.

عن السلطة والمقاومة.. مع د. خالد فهمي

محمد علي

بعد هذه الجولة في الكتاب نسأل الدكتور خالد فهمي عن آخر ما اختتم به كتابه، حيث أكد أنه عني أكثر بالكتابة عن «الحوار القائم باستمرار بين السلطة والمقاومة »، متمثلًا في الجيش الذي كوّنه محمد علي، فهل مثل هذا الحوار قابل للتكرار، خاصة وأننا إزاء حوار آخر حاليًا بين السلطة والمقاومة، فيقول:

السلطة دائمًا تقدم نفسها كأن لديها رؤية متماسكة، وبرنامجًا واضحًا. وفي الدول غير الديمقراطية، هي دائمًا تفترض استقلاليتها عن الشعب، بل تفترض أن تجاوبها مع مطالب الشعب يعتبر علامة ضعف، وإيذانا بفقدان زمام الأمور. وكلنا يتذكر كيف كان «مبارك» يعتبر أي رضوخ لمطالب الشعب علامة من علامات ضعف حكمه؛ وكان أحيانًا يلبي مطالب الناس (بتعديل حكومي ما، مثلًا) بعد مرور فترة من الزمن عن مطالبة الرأي العام به، وباختيار توقيت مناسب له هو؛ حتى يبدو الأمر، وكأنه من بنات أفكاره، وليس استجابة للرأي العام. وكانت نتيجة هذا الصلف، وذلك الغرور أن عصف به شعبه وخلعه.

وبالتالي، أعتقد أن مهمة الباحث والناقد عدم الاغترار بحديث السلطة عن نفسها، والتنقيب دائمًا عن المؤثرات التي تصيغ هذا الحديث وتحدد توجهه، والاستماع جيدًا لصوت المقاومة، سواء جاء هذا الصوت على لسان مثقفين مفوّهين أو همهمات المهمشين.

أما بخصوص لحظتنا الحالية، فمما لا شك فيه أن السلطة تبدو وكأنها ذات رؤية واضحة وخطاب متماسك. لكن إن أنصتنا جيدًا لهذا الخطاب، وإذا تمعنا في هذه الرؤية لوجدناهما مبهمين، وغير واضحين، ولاكتشفنا، وهو الأهم، أن الحراك الثوري ما زال يضج مضاجع السلطة ويؤرقها. ومن هنا يأتي التأكيد دومًا على أن الثوار خونة، وأن يناير خساير، وأن النشطاء ممولون، إلى آخر أقاويل الثورة المضادة التي ترددها أبواقها بدأب وانتظام. وكأنها بترديدها لتلك الأقاويل تعترف، ضمنًا، بأهمية المقاومة والثورة في تشكيل خطابها.

•  وعن الدورس التي يمكن التي يمكن الاستفادة منها من مثل هذا الحوار يقول :

الدروس واضحة، وأهمها ألا نغتر بتماسك خطاب السلطة، وأن نعي دائما أن تماسك خطاب السلطة وهمي، وأن إدعاءها باحتكارها العقل، وأن كل ما عداها جنون، إدعاء كاذب؛ فالسلطة دائمًا مسكونة بالمقاومة، تحاول دومًا أن تسكتها وتقمعها، ولكن ما لا تدركه، أنه من خلال فعل الإسكات والقمع هذا تتمحور السلطة، وتستبطن المقاومة التي تتخيل الانتصار عليها.

•  ونعود لنسأله: لماذا حقق الفلاحون المصريون، وبالرغم من كل مقاومة أهداف محمد علي، بالرغم من اعتراضهم عليها، أو عدم وعيهم بها، وكيف يمكن لحاكم أن يحكم شعبًا بحيث يتحقق له ذلك، بالرغم من كل سبل المقاومة، فيعلق قائلا:

ما أردت إثارته، بالتركيز على مقاومة المصريين لمحمد علي، وبالرغم من ذلك، نجاحه في تحقيق ما كان يصبو إليه، لم يكن طرح سؤال «هل يمكن لحاكم أن يقمع شعبه؟» فالتاريخ البشري حافل بأمثلة لا حصر لها لمثل هذا السيناريو. ولكن السؤال الذي أردت طرحه هو «ما تكلفة الانتصار؟»

تعلمنا في المدارس أن محمد علي «مؤسس مصر الحديثة»، وأعتقد أن هذه مقولة صائبة جدًا. على أن كل كلمة فيها غامضة، تخفي أكثر ما تُظهر. فـ «محمد علي» لم يكن مصريًا، ولم يتحدث العربية. وفعل «التأسيس» نفسه يحتاج لشرح مستفيض. و «مصر»، ذلك الكيان الذي نفترض وجوده الأزلي، كان نتاج سياسات وخطابات غيرت من طبيعته وأعادت تشكيله. أما «الحداثة» فحدث ولا حرج.

وما أردت التركيز عليه تحديدًا، هو تفكيك كل من هذه المفردات، ليس لعبًا بالكلام، ولكن رغبة في طرح سؤالين سياسيين في الأساس: «من الذي دفع تكلفة ولوج مصر للحداثة؟» و«هل كانت هناك طرق أخرى للوصول لتلك الحداثة التي نظن أننا نعرفها ونريد اللحاق بها؟»

•  أما أبرز أثر بقى في المجتمع المصري الحديث من عهد محمد علي فيقول عنه د. خالد فهمي :

طغيان فكرة أهمية الدولة المركزية، والاستعداد للتضحية بكل ما هو غال وثمين في سبيل الإبقاء على هذه الدولة، حتى وإن كان هذا الثمن هو التضحية بالمجتمع وأفراده.

•  استهوتك الحقبة التي حكم فيها محمد علي، وقدمت فيها مؤلفات عديدة، مختلفة، ما هي الحقبة التي ترى أهمية إعادة قراءة تاريخها بشكل مختلف عما يقدم لنا غالبًا من مسلمات ؟

أعتقد أن كل حقب تاريخنا الحديث تحتاج لإعادة قراءة وإعادة كتابة؛ وذلك ليس لإنصاف حكام افترى عليهم المؤرخون، أو لإنكار زعامة زعماء قدستهم كتبنا التاريخية، ولكن، وفي الأساس لإظهار دور الشعب، باختلاف طبقاته وفئاته، في صنع حاضره وكتابة تاريخه.

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة

انشر مواضيع واحصل على ربح فوري