شارك هذا الموضوع

كيف يتعامل الأهالي على مستوى الجمهورية مع أزمة نقص المياه في ظل الكثير من الوعود التي لا يتم تنفيذها

  • الكاتب MY Dream
  • تاريخ اﻹضافة 2016-10-07
  • مشاهدة 9

عربات الكارو تملأ الشوارع، محملة بالأوعية والأواني الخاوية التي يستعين بها المواطنون لنقل المياه من القرى المجاورة، وأمام بعض المنازل تتراص براميل المياه التي تمكن أصحابها من تخزين ما وصلوا إليه من ماء لاستخدامهم اليومي، ومع بداية انخفاض درجات الحرارة وانكسار الشمس في فترة ما بعد الظهيرة يبدأ السكان بحثهم اليومي عن المياه، حاملين ما استطاعوا من أواني (زجاجات وجراكن وطشوت)، مترجلين أو فوق عربات الكارو.

هذا هو المشهد اليومي في قرية الحمامدة، التي تبعد نصف ساعة بالسيارة عن مدينة دمنهور، عاصمة محافظة البحيرة، والتي تشهد الكثير من مظاهر معاناة المواطنين من نقص المياه المزمن.

الحمامدة هي واحدة من مناطق عديدة في الجمهورية تعاني بشدة من نقص المياه، ذلك النقص الذي واجهته القرية في كل صيف على مدى السنوات القليلة الماضية، كما تشهده القرى المختلفة من الصعيد إلى الدلتا وحتى في بعض مناطق محافظة الجيزة في القاهرة الكبرى. ومع ترديد الحكومة للتفسيرات نفسها، ولجوءها للمناشدات المتكررة في السنوات السابقة، بدأ صبر من يواجهون تلك الأزمة السنوية ينفذ.

نتيجة أزمة المياه وصلت الاضطرابات في بعض المناطق إلى مستويات مقلقة، فعلى سبيل المثال، ألقت قوات الأمن القبض على 20 فردًا من قرية المرساة بمركز دكرنس في بمحافظة الدقهلية في مطلع هذا الشهر بعد أن اعتدوا على فنيين تابعين لشركة المياه؛ لمنع تركيب خط مياه جديد يمد مجرى المياه من شبكتهم إلى قرية مجاورة. بحسب جريدة المصري اليوم احتجز المواطنون ضابط شرطة رهينة، قبل أن يتم تفريقهم بواسطة قوات الشرطة التي أطلقت عليهم الغاز المسيل للدموع. كما غطت "المصري اليوم" اضطرابات مشابهة في وقت متزامن في محافظة الشرقية حيث قطع السكان الطريق الرئيس وهددوا بالبدء في إضراب عن الطعام احتجاجا على ندرة المياه.

"مشكلتنا هنا هي المياه. لم نشكو أبدًا من أي شيء آخر ولا نريد شيئا آخر، لكننا لا نستطيع أن نعيش دون مياه" تقول نورا زكريا، واحدة من سكان الحمامدة، وهي تنتظر في الصف لشراء خبز الإفطار من فرن القرية التي يعيش أغلب سكانها في منازل من الطوب النيء وسط مدارس وعيادات ضعيفة التجهيز للغاية. ورغم الافتقار للخدمات بشكل عام -في مشهد متكرر في الكثير من القرى النائية- لا يشغل بال الأهالي سوى المياه.

تضيف نورا أنها، وبسبب ندرة المياة الحلوة، اضطرت إلى استخدام المياه المالحة في الطهي، حتى أن أطفالها ينتهي بهم الأمر غير راغبين في تناول الطعام الذي تحضره ولو بعد ساعات طويلة من الصيام في رمضان.

"لو نجحتِ في الحصول على لتر من الماء النقي عليكِ أن تقرري ما إذا كنتِ ستستخدميه في الشرب أو الطبخ أو الاستحمام أو في مساعدة الفرن" تقول نورا لـ "مدى مصر"، في إشارة لخزان المياه الخاص بالمخبز، الذي يساهم سكان القرية في ملئه بالمياه النقية التي يتحصلون عليها؛ بحيث تتوفر المياه اللازمة لإنتاج الخبز.

في جلسة استماع مع لجنة الزراعة بمجلس الشعب في شهر مايو الماضي، برر وزير الري محمد عبد العاطي أزمة المياه بانخفاض مستوى النيل هذا العام والذي قال إنه أثّر على كافة بلدان حوض نهر النيل. وقتها قال الوزير إن المياه المتوفرة غير كافية لتغطية كافة الاحتياجات.

بحسب عبد العاطي يصل مصر سنويا 55.5 مليار متر مكعب من المياه، لا تكفي، بحسب قوله، لتغطية متطلبات المجتمع من مياه الشرب، إضافة إلى احتياجات المصانع والزراعة ومحطات الكهرباء. تشير الأرقام الرسمية إلى انخفاض نصيب الفرد سنويًا من المياه في مصر من 2.526 متر مكعب في عام 1947 إلى 663 متر مكعب في عام 2013، ما يضع مصر تحت خط الفقر المائي بحسب الأمم المتحدة. التي تتوقع أنه بحلول عام 2025 سوف تصل مصر إلى مرحلة من الندرة المطلقة للمياه، حيث ينخفض متوسط استهلاك الفرد إلى 500 مترًا مكعبًا.

إلا أن ضياء القوصي، المستشار السابق لوزير الري، يعتقد أن الوضع المتدهور في السنوات الأخيرة يعود إلى سوء الإدارة أكثر من قلة الموارد. ويقول إن مصر كانت تعاني من نقص المياه خلال فترة تجاوزت العشرين عامًا وكانت تتعامل مع هذا النقص عن طريق إعادة تدوير المياه.

"إذا كانت هناك مساواة في توزيع النقص لأمكن تحمله بدرجة أكبر ولما اشتكى الناس. إلا أن الواقع هو أن البعض يحصل على أكثر من نصيبه في حين يعاني آخرون وحدهم"، يقول القوصي لـ "مدى مصر"، مشيرًا إلى أن نقص المياه يتركز في مناطق بعينها.

ويستدرك القوصي بإن هذا لا يعني أنه لا توجد مشكلة خاصة بالموارد. موضحًا أنه يجب إيجاد مصادر جديدة للمياه مع زيادة عدد السكان وبقاء موارد المياه على ما هي عليه، هذا بالإضافة إلى إدارة الأزمة بشكل أفضل.

ورغم أن مسئولية إدارة المياه موزعة بين عدة وزارات وسلطات إلا أن الشركة القابضة للمياه والصرف الصحي تظل هي الكيان الأهم لضمان حصول المصريين على مياه نقية، وهي الشركة التي أعلن مسئولون فيها، فضلًا عن مسئولين تنفيذيين آخرين، عن خطط لبناء محطات مياه جديدة للتعامل مع الأزمة.

أحمد معوض، نائب رئيس الشركة القابضة للمياه والصرف الصحي يُرجِع المشكلة إلى نقص الأموال. ويقول لـ "مدى مصر" إنه بعد عام 2011 كانت هناك حاجة إلى بناء محطات مياه جديدة، إلا أن ذلك لم يحدث نتيجة لعدم توفر ميزانية لدى الشركة.

من جانبه، أعلن محافظ الجيزة محمد كمال الدالي، الشهر الماضي، أنه تم توجيه 85 مليون جنيهًا للبدء في عمليات التوسع في محطة مياه العياط جنوب الجيزة لسد نقص المياه في 23 قرية. إلا أن المواطنين يرون
أن هذه الوعود فارغة، خاصة بعدما حصلوا على وعود مشابهة في العام الماضي، في حين تستمر أحوالهم في التدهور.

كان ممدوح رسلان رئيس الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، ومحافظ الجيزة زكريا العدلي قد وعدا في الصيف الماضي، في ذروة أزمة نقص المياه، بتجهيز محطات مياه جديدة في خلال شهور. إلا أن المناطق التي كان يفترض أن تخدمها تلك المحطات لا زالت تعاني من انقطاعات طويلة للمياه هذا الصيف.

وبالإضافة إلى انخفاض مستويات المياه والحاجة لإنشاء محطات جديدة والتوسع في المحطات الموجودة بالفعل، يشير المسئولون في كثير من الأحيان إلى مواسير المياه غير المرخصة التي وضعت في ظل الغياب الأمني الذي تلى ثورة 2011 باعتبارها أحد أسباب النقص الحالي.

فيما لم يعد أهالي منطقة الحوامدية في جنوب الجيزة يصدقون ما وعد به البرلمانيون والمسئولون في الاجتماعات المحلية واللقاءات المختلفة خلال العام الماضي بأن مواسير جديدة سوف يتم وضعها بحلول يوم 30 يونيو، الذي مر بالفعل، وكما توقع الأهالي، بدون أن يتحقق من تلك الوعود سوى تركيب مواسير رئيسية في الشارع الرئيسي بالمنطقة.

"كل بضعة أيام تذهب مجموعة منا لتقدم الشكاوى في شركة المياه، إلا أنهم لا يعطوننا سوى الوعود الفارغة. ماذا نفعل؟.. نقتل؟ لا، سوف نتعايش" يقول خالد الذي يعيش في شارع إسماعيل عسكر، الكائن -ويا للسخرية- أمام مقر شركة المياه مباشرة، والمعروف في المنطقة بصعوبة وصول المياه له.

على مدى السنوات الأخيرة عانت الحوامدية من نقص المياه، الأمر الذي يتأزم بشدة مع بداية كل صيف. في أغلب المنازل قد تنقطع المياه لعدة أيام وحين تعود لا يكون ذلك لأكثر من ساعة واحدة، ما لا يمنح السكان وقتًا كافيا لملء الأواني.

يقول خالد: "المياه رائحتها كريهة، مثل مياه المجاري، إلا أن الأهالي اعتادوا عليها مع الوقت".

في بداية يوليو الجاري، ومع انتشار عجز المياه في أكثر من منطقة بالمحافظة، صرح محافظ الجيزة أن المحافظة بدأت فعليا تنفيذ خطة تجديد مواسير الجيزة التي لم يتم تغييرها منذ عشر سنوات، مؤكدًا على أن التعامل سيكون مع كل المناطق المتضررة بحسب دورها.

غير أن معاييرًا مختلفة عن مستوى الضرر أو دور المنطقة ظهرت عند التنفيذ الفعلي للخطة المنتظرة، جعلت سكان الحوامدية لا يتأثرون من نقص المياه بالدرجة نفسها.

بحسب السكان، استجابت شركة المياه لشكواهم من خلال تركيب مواسير مباشرة لبعض المنازل المستعدة لدفع مبالغ تتراوح ما بين 2000 و3000 جنيها. ومن تمكن من توفير هذا المبلغ أصبحت المياه متوفرة لديه بشكل دائم. أما باقي سكان المنطقة فلا زالوا يدفعون ما يصل إلى خمسين جنيها شهريا لتصلهم المياه لعدة دقائق في اليوم، وذلك بعدما وافقت الحكومة على زيادة سعر المياه في يناير الماضي، في محاولة لتقليل العجز المالي لدى شركة المياه وخفض الدعم الحكومي.

أما غير القادرين على تكلفة مواسير المياه الخاصة، أو الذين لا تتوافر لديهم إمكانية اللجوء لهذا الحل من الأساس، فيعيشون إلى حد كبير على دعم شبكة العلاقات المجتمعية.

في قرية الحمامدة بمحافظة البحيرة تتوفر المياه عادة في منتصف الليل بمساعدة موتورات وضعها الأهالي وهو الوقت الذي يستغله السكان في ملء أوانيهم. دون ذلك، يظل المصدر الوحيد للمياه النقية في القرى المجاورة والتي أصبحت مكان توجه السكان أثناء النهار حيث يقصدونها يوميا لملء أوانيهم بالمياه.

وحيث أن المياه النقية التي يتمكنون من الحصول عليها بالكاد تكفي الشرب والطهي، تعاون عدد من المنازل لتركيب مواسير تسحب المياه الجوفية للاستخدامات الأخرى مثل الاستحمام. إلا ان هذه المياه تحتوي على درجة من الملوحة ضارة بالجلد والصحة. في ضوء محدودية مصادر المياه النقية والمالحة تلجأ القرية إلى المياه الآسنة في البحيرة الراكدة التي تقطع القرية لاستخدامها في بعض الأعمال اليومية مثل غسل الصحون.

ورغم سوء الأحوال في قرية الحمامدة إلا أن حظها لا زال أفضل من قرية حسين عمرو المجاورة، التي يقول سكانها إنهم يعيشون بدون مياه على مدى الثلاث سنوات الأخيرة.

"لا أتذكر المرة الأخيرة التي نزلت فيها المياه من الصنبور في منزلي، المواسير ملأها الصدأ" تقول رانيا، واحدة من سكان قرية حسين عمرو، مشيرة إلى علامات الحساسية على وجه ابنتها من استخدام الماء المالح. وتجمع نساء القرية أن الاستخدام المستمر للمياه المالحة تسبب في مرض الأطفال.

أهالي حسين عمرو

حتى أرضية حمام مسجد القرية صار لونها داكنا وتآكلت في بعض الأماكن بسبب المياه المالحة التي تسيل عليها.

ميضة مسجد حسين عمرو

ورغم أن القريتين المتجاورتين ليستا خارج شبكة مواسير المياه تمامًا، إلا ان كلتاهما تقعان بين خطي مياه رئيسيين وتصل إليهما كمية ضعيفة من المياه حيث أنهما ضمن آخر مواقع تلقي الخدمة، مثلهما مثل العديد من المواقع التي تعاني من نقص المياه على امتداد الجمهورية مع بداية كل صيف. وهو ما يضغط على الأهالي بشكل دائم، وصل إلى قطع أهالي حسين عمرو والحمامدة طريق دسوق-دمنهور الشهر الماضي احتجاجا على الأزمة التي لا تنتهي.

فريد شوقي، أحد السكان الذي كان يقود جهودا محلية لحل المشكلة، يحكي أن مبعوثا من قسم الشرطة جاءه بعد الاحتجاج وأخبره بأن اتهامات وجهت إليه و15 آخرين لتزعمهم قطع الطريق.

إلا أن شوقي وغيره لا نية لديهم في التراجع بعد أن حُرموا على مدى ثلاث سنوات من أحد أساسيات الحياة.

يقول شوقي: "جرينا في كل مكان حاملين الشكاوى والأوراق على مدى ثلاث سنوات بلا نتيجة، ولذلك لجأنا إلى قطع الطريق".

الأوراق التي يحتفظ بها شوقي تكشف المراسلات بين السكان وشركة المياه والسلطات الأخرى المعنية منذ عام 2014. وقد أخرج شوقي لـ "مدى مصر" خطابا من شركة المياه تخطر فيه الشرطة المحلية بموافقة الشركة على توصيل خط جديد من قرية أبو طويلة المجاورة، مؤكدة على أنه تم التأكد من الإمكانية الفنية لذلك وأن الشركة قامت بالفعل بشراء المواسير اللازمة. وطالبت الشركة قوات الشرطة في الرحمانية، التي تقع قرية أبو طويلة ضمن دائرتها إداريا، بتأمين عملية التركيب.

خطاب شركة المياه

يقول السكان أن عدم تعاون قسم شرطة الرحمانية تسبب في تأجيل الأمر الذي كان يفترض أن يبدأ في أغسطس 2015 بحسب خطاب الشركة. ويتوقع السكان أن بعضا من الشخصيات ذات النفوذ في الرحمانية أثروا على الشرطة بسبب عدم رغبتهم اقتسام نصيبهم من المياه.

بعد أن قام السكان بقطع الطريق الرئيسي، وعدت الشركة بمد خط مواسير من شرنوب، المنطقة الواقعة شمال القرى المتضررة. يقول وليد عبد الستار، أحد السكان المتواصلين مع سلطات المياه المحلية، إنه حتى بعد تركيب الخطوط، بتكلفة 1000 جنيها مصريا دفعها السكان، لم تصل المياه.

بعد أن تحملوا ثلاث سنوات بدون مياه وبعد استنفاد كافة السبل الرسمية، يشعر أهالي حسين عمرو بالإحباط لكنهم لا ينوون التراجع.

"لقد صبرنا، لكن المسئولين لا يتركون لنا حلا آخر" يقول أشرف عيسى، أحد سكان القرية، مضيفًا: "إن لم نستعيد المياه سوف نحتج مرة أخرى، لكنها لن تكون مثل المرة الماضية. لا يهمنا إن لم نعد. السجن أهون من هذا. حتى الموت أهون".

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة

انشر مواضيع واحصل على ربح فوري