شارك هذا الموضوع

لماذا ننام!

النوم .. لماذا نحتاجه؟ وكم هي حاجتنا له؟

بالرغم من أن الإنسان يقضي ثلث حياته نائمًا، إلا أن معظم الناس لا يعرفون الكثير عن النوم.

اعتقد الناس لزمنٍ طويل أن النوم لا يعدو كونه عمليةَ توقف للنشاط وحالةً سلبية من اللاوعي، لكن يبدو أنّهم كانوا مخطئين، فليس الحال كما اعتقدوا؛ فالنوم هو تلك الفترة من النشاط حيث تتم فيه الكثير من العمليات المهمة واستعادة النشاط، ولا يزال تفسير كيفية حدوث هذه العمليات بالإضافة إلى تعليل حاجة أجسامنا لهذه الفترات الطويلة من النوم يشكلان نوعًا من الغموض، لكن بات العلماء بالفعل يفهمون بعض الوظائف الحيوية للنوم، وكذلك بعض الأشياء التي نحتاجها لنكون بصحة أفضل.

ويُعد ترسيخ وتوطيد الذكريات أحد هذه الوظائف للنوم، فبتقدم العصور أصبحت عقولنا تستوعب قدر هائل من المعلومات، وبدلًا من تسجيل هذه المعلومات مباشرةً، فإنها تحتاج أولًا إلى عمليَتَي المعالجة والتخزين، وتتم العديد من خطوات هاتين العمليتين بينما نكون نائمين، وتنتقل هذه المعلومات أثناء الليل من الذاكرة المؤقتة قصيرة المدى إلى الذاكرة الدائمة طويلة المدى في عملية تُدعى »تدعيم الذاكرة -Memory Consolidation»، وأظهر العلماء أن الناس بعد النوم يميلون إلى الاحتفاظ بالمعلومات، وكذلك تؤدي ذاكراتهم المهام بشكل أفضل، وأظهروا أيضًا أنّ أجسامَنا تتطلب فترات طويلة من النوم من أجل الانتعاش واستعادة النشاط ونمو العضلات وإصلاح الأنسجة وتوليف الهرمونات.

في حين أننا غالبًا قد لا نفكر في سبب نومنا، إلّا أنّ معظمنا يعرف الدور الذي يلعبه النوم في جعلنا أكثر سعادة وانتباهًا وكذلك أكثر نشاطًا، بالإضافة إلى أدائنا الوظائف بشكل أفضل بعد فترة لا بأس بها من النوم، وعلى أي حال؛ فحقيقة أن النوم يجعلنا نشعر على نحوٍ جيد، وأن الانقطاع عنه يجعلنا نشعر على نحوٍ سيء لهيَ مجرد بداية لتفسير لماذا النوم ضروري.

وتنظّم أجسامُنا النوم بنفس الكيفية التي تنظم بها الأكل والشرب والتنفس، فكما هو الحال مع الأكل الجيّد، فإن النوم الجيّد أيضًا يُعد عنصر أساسي من أجل صحة أفضل، وبناءً عليه فقد اقترح العلماء طريقة للتفكير بخصوص وظيفة النوم وهي مقارنته بأحد الأنشطة اليومية الأخرى المماثلة وهو الأكل، فالجوع هو آلية وقائية تطوّرت لضمان أننا نستهلك كمية الغذاء اللازمة لنمو الجسم وإصلاح الأنسجة وأداء الوظائف على أكمل وجه، ومع أنه من السهل نسبيًا إدراك الدور الذي يلعبه الأكل نظرًا لأنه يشمل استهلاك المواد الأساسية التي يحتاجها الجسم، فإن الاختلاف بين الأكل والنوم ليس بقدر ما قد يبدو عليه، فالاستمرار بدون طعام ينتُج عنه الإحساس بالجوع، بينما الانقطاع عن النوم يجعلنا نشعر بالنعاس، وكيفما يخفف الأكل هذا الإحساس بالجوع ويوفر للجسم حاجته من الغذاء، فكذلك النوم أيضا يُهدئ الشعور بالنعاس ويضمن لنا الحصول على الراحة التي نحتاجها.

ومع ذلك يبقى السؤال:لماذا نحتاج للنوم عمومًا؟ وهل هناك وظيفة أساسية وحيدة للنوم، أم أنّه يؤدي العديد من الوظائف؟

ولفَك هذا اللُغز، تحرّى العلماء عن إجابة لهذه الأسئلة من زوايا مختلفة، فَعلى سبيل المثال، قاموا بفحص ما يحدث عندما يُحرم البشر أو الحيوانات الأخرى من النوم، وفي دراسات أخرى قاموا برصد أنماط النوم في مجموعات متنوعة من الكائنات الحية لينظروا إذا ما كانت التشابهات أو الاختلافات بين الأنواع ستُفصح عن شيء ما بخصوص وظائف النوم.

وعلى الرغم من عقود من البحث والعديد من الاكتشافات حول جوانب أخرى من النوم، فإنه لا زال من الصعب العثور على إجابة لهذه المسألة، وهذا لا يعني أنّ البحث كان مجرد مضيعة للوقت بسبب نقص الإجابات الواضحة، بل الحقيقة أنّنا الآن نعرف أكثر عن وظيفة النوم، فقد طور العلماء نظريات واعدة لتفسير لماذا نقضي ثلث حياتنا في النوم، وفي ضوء الأدلة التي جمعوها، يبدو أنه لا توجد نظرية واحدة منفردة تفسر النوم، ولكن قد نفسره بواسطة إثنين أو أكثر من هذه النظريات، بالإضافة إلى أن فهم جميع هذه النظريات يُمكِّنُنا من التعمّق في تقديرنا لدور النوم في حياتنا، وتُعدّ هذه النظريات هي:-

- نظرية الخمول Inactivity Theory»»:
تعد واحدة من أقدم النظريات التي تفسر النوم، ويُطلق عليها أحيانا نظرية التكيف أو النظرية التطورية، وتشير إلى أن الخمول أثناء الليل هو التكيف الذي خَدَم وظيفة بقائية عن طريق إبقاء الكائنات الحية بعيدة عن الخطر خاصة إذا كانت معرضة للافتراس، و تقترح النظرية أن الحيوانات التي كانت قادرة على البقاء ساكنة وهادئة خلال تلك الفترات كانت لديها ميزة على الحيوانات الأخرى التي استمرت نشطة؛ فهذه الحيوانات لم تتعرض للأذى أو لم يتم الهجوم عليها من قِبَل الحيوانات المفترسة أثناء فترة الظلام. وتطّوَر هذا التنظيم السلوكي عن طريق الانتخاب الطبيعي ليصبح ما نعرفه الآن بالنوم. 
يذهب المعارضون لهذه النظرية إلى أن الكائن الحي في حاجة دائمة لأن يكون يَقظًا ليصبح أكثر أمانًا عن طريق الاستجابة للمخاطر خصوصًا تلك المخاطر أثناء الظلام، وبالتالي فلا يبدو أن هناك أي ميزة في كَون الكائن نائمًا أو فاقدًا للوعي خاصةً إذا كانت الأولوية للأمان.

- نظرية حفظ الطاقة «Energy Conservation Theory»:
يُعد الاستخدام الفعّال لمصادر الطاقة واحدًا من أهم العوامل في الانتقاء الطبيعي، وتشير هذه النظرية إلى أن الوظيفة الأساسية للنوم هي تقليل استهلاك الفرد للطاقة خلال جزء من النهار أو الليل خاصةَ عندما يكون من الصعب الحصول على مصدر للغذاء؛ لذا قد تكون هذه النظرية أقل وضوحًا لهؤلاء ممّن يعيشون في المجتمعات التي تتوافر فيها مصادر الغذاء. وقد أظهرت الأبحاث انخفاض كبير في استقلاب الطاقة أثناء النوم يصل إلى عشرة بالمئة لدى البشر، ويتعدّى هذه النسبة في بعض الأنواع الأخرى، فعلى سبيل المثال، تنخفض نسبة كل من درجة الحرارة والطلب على السعرات الحرارية أثناء النوم بالمقارنة مع اليقظة، وتدعم هكذا أدلة الافتراض القائل بأن واحدة من الوظائف الرئيسية للنوم هي مساعدة الكائنات الحية على الحفاظ على موارد الطاقة.
يرى كثير من العلماء أنّ هذه النظرية يجب أن تكون متّصلة بنظرية الخمول أو أن تكون جزءًا منها.

- نظريات الإصلاح «Restorative Theories»:
يعتمد تفسير آخر لحل هذا اللغز على اعتقاد ساد لفترة طويلة بأن النوم -وبطريقة ما- يعمل على استعادة ما فقده الجسم أثناء فترة الاستيقاظ، ويوفّر فرصة للجسم لاستعادة حيويته وإصلاح ذاته. ودعمت هذه الأفكار لاحقًا الأدلة التجريبية التي استندت على دراسات تمّت على الإنسان والحيوان، حيث كانت هذه الحيوانات تفقد كل وظيفتها المناعية وتموت خلال أسابيع عندما تُحرم كليًا من النوم، ويَدعم هذا أيضا النتائج القائلة بأن العديد من الوظائف الإصلاحية الرئيسية في الجسم مثل نمو العضلات وإصلاح الأنسجة وتوليف البروتين وإفراز هرمون النمو يحدث غالبًا أثناء النوم، وأحيانًا أثناء النوم فقط.
تُعد جوانب النوم الاستصلاحية الأخرى محددة في الدماغ، فعلى سبيل المثال، بينما نكون مستيقظين، تنتج الخلايا العصبية الأدينوسين في الدماغ كنتيجة ثانوية لأنشطة الخلايا، ويُعتقد أن تراكم الأدينوسين في الدماغ أثناء اليقظة هو أحد العوامل التي تؤدي إلى الإحساس بالتعب والنعاس، وأثناء النوم يكون لدى الجسم الفرصة للتخلّص من الأدينوسين، وكنتيجة لذلك فإننا نكون أكثر انتباهًا عندما نستيقظ.

- نظرية مرونة الدماغ Brain Plasticity Theory»»:
يستند هذا التفسير الأحدث والأكثر إقناعًا على النتائج القائلة بارتباط النوم بالتغيرات في بِنية وتنظيم الدماغ. وهذه الظاهرة ليست مفهومة تمامًا، ولكن ارتباطها بالنوم يؤدي أدوار حيوية عديدة، فقد أصبح من الواضح -على سبيل المثال- أن النوم يلعب دورًا حاسمًا في نمو المخ عند الرضّع والأطفال الصغار، حيث يقضي الأطفال حوالي من 13 إلى 14 ساعة يوميًا في النوم، وباتت الصلة بين النوم ومرونة الدماغ أكثر وضوحًا لدى البالغين أيضًا، حيث يؤثر النوم والحرمان منه على قدرة الناس على تعلم وأداء مجموعة من المهام المختلفة.

على الرغم من أن هذه النظريات لا تزال غير مثبتة، إلّا أنّها قد ساهمت في شوطٍ طويلٍ قطعه العلم في اكتشاف ما يحدث أثناء النوم، وكذلك في فهم آليات تنظيم الجسم لدورات النوم واليقظة والتي تُسهم بدورها في تحديد نمط حياتنا، حيث تختلف أنماط النوم من كائن إلى آخر فيَختلف نوم شخص عن مثيلِه من البشر، أو حتى عن كائن من سائر الفصائل، وبالتالي لَزم البحث عن حقيقة كمية النوم التي نحتاجها، وكم هي عدد الساعات التي نحتاج إلى قضائها في النوم؟ .. ولأننا جميعًا بحاجة إلى الاحتفاظ بالمعلومات وتعلم المهارات للازدهار في الحياة، فإن النوم الصحي ضروري لنا، وربما يكون هذا سببًا من الأسباب التي توضح لماذا يحتاج الأطفال الذين يُحصلون المهارات اللغوية والحركية والاجتماعية طوال نموّهم إلى فترة أطول من النوم مقارنةً بالبالغين الذين يحتاجون من 7 إلى 9 ساعات من النوم يوميًا، بينما يحتاج طفل بعمر عام واحد إلى حوالي من 11 إلى 14 ساعة، ويحتاج طفل في سن الدراسة لمدة من 9 إلى 11 ساعة، في حين يحتاج المراهقون إلى ما بين 8 إلى 10 ساعات، وخلال هذه الفترات الحرجة من النمو فإن الصغار يحتاجون إلى فترات طويلة من النوم لتحقيق النمو المتكامل.

وعلى الرغم من أن فكرة سداد دين النوم دائمًا ما تكون فكرة جيدة إذا كنت قد حُرمت من النوم لفترة طويلة، ولكن لسوء الحظ فإنه لا يمكن للشخص أن ينقطع عن النوم لفترات طويلة جدًا، ومن ثَمّ ينام لساعات طويلة لتعويض هذا النقص، وبالتالي فإن أفضل روتين صحي بالنسبة للنوم هو تلبية احتياجاتنا من النوم كل ليلة، والحفاظ على هذه العادة على رأس أولوياتنا رغم تحديات العصر.

في حين أن هذا البحث لا يجيب مباشرة على سؤال "لماذا ننام؟" إلّا أنه يمهد الطريق لوضع هذا السؤال في سياق جديد وإنتاج معرفة جديدة حول هذا الجزء الجوهري من الحياة.

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة

انشر مواضيع واحصل على ربح فوري