شارك هذا الموضوع

ماذا تعلّمنا من الثقافة الشعبية

  • الكاتب MY Dream
  • تاريخ اﻹضافة 2016-10-18
  • مشاهدة 6

تتعدد ثقافات المجتمعات في العالم وتتغير متأثرة بالعديد من العوامل الفكرية والجغرافية والدينية وغيرها من العوامل القادرة على التأثير بأفكار وسلوكيات وأنماط الشعوب.

والأمثال الشعبية هي جزء من هذه الثقافات فإذا سافرنا حول العالم سنجد لكل شعب أمثال وأساطير وأغاني وفنون تخصه دونما الآخر وتطبع سلوكيات ومشاعر وميول أفراده جيلًا بعد جيل.

الأمثال الشعبية تعبر عن خلاصة تجربة أو نظرة جماعية فلسفية شاملة لقضية أو حادثة يعتقد أنها ستتكرر في كل جيل وقد تصادف كل فرد في المجتمع ولكن بعض الأمثال تجاوزت كونها قصة شعبية فيها عبرة وحكمة وكونها موعظة من أجدادنا الأقدمين لتحمل في طياتها في بعض المجتمعات – كمجتمعنا العربي – دلالات أخرى ولتتحول إلى أنماط سلوكية وقوالب فكرية يخضع كل فرد في المجتمع لها بطريقة أو بأخرى وها نحن نرى المكانة العميقة والجدية للأمثال الشعبية في توجيه الشعب فكريا واجتماعيا ودينيا وتربويا.

يستخدم الناس الأمثال الشعبية كبوصلة لتصرفاتهم ومرشد موثوق يساعدهم على التمييز بين الصواب والخطأ وهذا الفخ الأول الذي وقعنا فيه، فمن غير الصحيح والمنطقي إسقاط تجارب وأفكار الأقدمين على تجاربنا نحن وذلك لاختلاف الكثير من العوامل التي تدحض حجة المثل وتجعلها تنهار مهما بلغت واقعيتها ومهما كثرت الحالات التي تكررت فيها قصة المثل وثبتت صحته وحكمة قائله، فاختلاف العصر والتطور الجنوني الذي نعيش فيه يجعل من السخف والطفولية تطبيق عِبر وأفكار عشوائية بعيدة عن المنطقية في جمعها وقياسها وتكوينها لأفراد عاشوا في أزمنة غابرة منغلقة منعدمة الانفتاح الفكري والثقافي على الشعوب الأخرى واستخدامنا لها كمرجع لتصرفاتنا ومواقفنا المسبقة حيال الأشياء المحيطة بنا مؤشر خطير يدل على تفشي الجهل وقلة الثقة بالنفس وانعدام المسؤولية والقدرة على تكوين موقف فردي مستقل منفصل وبعيد عن المواقف السائدة في المجتمع وأن الفرد في مجتمعنا لا يحظى حتى بمساندة صوته الخاص وعاجز عن اتخاذ قرار صائب بإمكانه الحصول عليه بالتفكير والتمحيص والتفسير المنطقي لما يحيط به فيفضل على ذلك أخذ قوالب جاهزة ومواقف مسبقة لضمان النتائج على اعتبار أن غيره قد جرّب واستخلص هذه التجربة.

و المصيبة الكبرى ليست في جعل خبرات وآراء الأقدمين مرجعية لنا، المصيبة تكمن في استخدام البعض في مجتمعنا للأمثال الشعبية كدليل قاطع لاريب فيه على صحة كلامه ، دليل يوازي بصحته وصدقه – ولا أبالغ اذا قلت يضاهي – البراهين والإثباتات والملاحظات والتفسيرات التي حصل عليها علماء النفس والاجتماع والفلسفة، والمشكلة الخطيرة هنا أن مستخدمي الأمثال الشعبية هم ليسوا فقط فئة الجيل الأكبر في السن أو فئة الأشخاص الذي لم يُوفقوا لاستكمال تعليمهم، بل تتعداها لطلاب الجامعات والشباب المثقف المتعلم، فكل شخص يقرأ هذا المقال يطلّ الآن في ذهنه مجموعة من الأحاديث التي دارت بينه وبين أشخاص مثقفين متعلمين ترسخت في ذهنهم خرافة الأمثال الشعبية وصدق نتائجها.

يذهب علماء الاجتماع إلى أن أصل تخلف المجتمعات هو تحكم السلفية في حركته، والأمثال الشعبية القادمة من غابر الأزمنة هي جزء من حديثنا اليومي دون أن نعي خطورة القيم التي تغرسها في أفكارنا وسلوكنا ونظرتنا للعالم. والآن سنناقش بعض القيم السلبية التي تحملها الأمثال الشعبية والتي بثت في نفوسنا الاستسلام والعدائية والانهزامية ورسخت الخرافات التي لطالما دارت حول المرأة وساهمت بشكل كبير بإلحاق المزيد من الأذى والظلم بها، إليكم بعضًا من هذه القيم:

1- العدائية واتخاذ المواقف والأحكام المسبقة

منذ فترة دار نقاش بيني وبين زميلي في الجامعة عن فكرة الزواج بين الطوائف وقد كان رأيي مؤيد لهذه العلاقة إن كانت مبنية على الحب والتفاهم والوعي وعبر هو عن رفضه القاطع للفكرة وكان رأيه أن هذا النوع من العلاقات محكوم عليه بالفشل الذريع وقد سألته عن السبب المنطقي برأيه فجاوب بثقة قائلًا: «عدو جدك لا يودك» أصبت بالدهشة حينها، ألهذا الحد سيطرت التقاليد والأفكار الشعبية البالية على حياتنا وآرائنا وأحكامنا. ألهذا الحد أصبحت أفكارنا التي رضعناها من أمهاتنا منيعة وحصينة ضد جميع أشكال التطور والحضارة والثقافة والعلم هذا المثل وغيره «اللي بياخد من غير ملتو بيموت بعلتو»، «مكتوب على باب الجنة مافي حماية بتحب كنة».

من الأمثلة الشعبية السخيفة – التي يصعب حصرها في مقال كهذا – والتي ترسخ مشروعا عنصريا إقصائيا تجعل العلاقات بين البشر عبارة عن ساحة اقتتال وتضع كل فئة على جبهة، ضاربة بعرض الحائط قدرة الإنسان على المحبة والعطاء وقدرة الثقافة والإطلاع والوعي على تطهير النفس البشرية من رواسب الحقد والكراهية التي كانت ولا زالت تكبل أرواحنا منذ آلاف السنين وعلى تحرير العقل من قيود التخلف والجهل وتشذيب أفكارنا ونظرتنا لما حولنا والتي تجعلنا نغلق بصرنا عن التجارب الناجحة للأمم المتقدمة الراقية التي تخلصت من الموروثات الخرافية وفضلت أن تعيش بسلام مع بعضها بالرغم من جميع اختلافاتها.

2-الاستكانة والانهزامية

الأرزاق مقسمة والأقدار يستحيل تغييرها مهما فعلنا، والظلم الذي يسيطر علينا يجب علينا أن نتماشى معه وأن نقبل به وذلك لنضمن سلامتنا. الأفضل للفرد أن يندمج بالواقع مهما كان رديئًا وذلك لضمان استمرار البقاء بين أفراد القطيع فإذا أصاب من حولي شر لا بأس بأن يصيبني أنا أيضا. إذا اكتسب الإنسان عادة سيئة في صغره فلن يتمكن من تغييرها مهما بذل من مجهود ومهما حاول أن يحسن من نفسه. تربية النفس البشرية على الاستسلام وتحذيرها من المخاطرة وتثبيط قيم الشجاعة فيها، هذه هي الرسائل التي ترسلها الأمثال الشعبية إلى اللاشعور لدينا فهي غالبا تركز على العيوب والمساوئ وغالبا تجعلنا نتكاسل ونتقاعس عن المحاولة والتجربة وبالتالي تكون السبب خلف حرماننا من لذة الاكتشاف ومتعة التحدي. فترى العقلية القديمة التي كانت سائدة في عصور أجدادنا تعيش بيننا وترى روح المخاطرة والتجدد والمبادرة في مجتمعنا منعدمة وذلك بسبب التأثر الشديد بثقافة الخوف والإحباط التي زرعت بنفوسنا وهكذا سيطر الجمود والركود على بنية مجتمعنا وساد التقليد والعرف والانقياد الأعمى له فقلما تجد في مجتمعنا زواج من طوائف مختلفة. ونادرا ماترى أشخاصا مميزين كسروا القواعد التي يسير عليها بقية أفراد المجتمع وثاروا عليها فالعرف الديكتاتوري الذي يحكم المجتمع متمثلا بالعادات والتقاليد والأمثال وغيرها من القيود التي تخنقننا وتحرمنا من إنسانيتنا ومن حقنا بالمغامرة والتجربة وتهول الأخطاء التي قد نقع فيها وتطمس معالم شخصيتنا والحيوية والتحدي في نفوسنا وتحولنا لنسخ بشرية ساذجة منقادة بشكل أعمى لتصرفات من حولنا.

وأما المرأة فلها دومًا النصيب الأكبر من آثار ورواسب الجهل في المجتمع، لذلك سيتم تخصيص مقال لمناقشة المرأة في أمثالنا الشعبية.

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة

انشر مواضيع واحصل على ربح فوري