شارك هذا الموضوع

وردة أيلول "قصة قصيرة في الحب والحرب"

وردة ايلول "قصه قصيره في الحب والحرب"

كانت احدى مساءات ايلول الحزينة، كلٌ في قوقعته ينام ويلتحف فراشه هربا من صخب العالم.

كان القمر بدرا بصورة مخيفه.. "ورده" الجميلة حلت الضفيرة السوداء الطويلة ونثرتها على كتفيها متساقطة كشلال متوحش على ظهرها..

 فاليذهب كل شيء الى الجحيم!! بضربة واحدة من المقص كنت تتناثر الامواج السوداء مغطية ارضية الغرفة العتيقة.

في الجهة الاخرى من المدينة كان "فارس"، فارس قلبها المنتظَر بلا أمل يراقب القمر المنير، كان نوره متوحشا ومخيفاً كما لم ينير من قبل، او هذا ما خيل له، بعض الجمال مخيف في جرأته!!

                                     ******   

كل شيء قد ينتهي بالتجاهل، بالتذرع والخذلان..

في صباح من صباحات ايلول الخريفية الجميلة عام 2004 كانت "ورده" الصغيرة الجميلة بضفيرتيها السوداوان المتمايلتان يمنة ويسره تمشي كوردة بتلاتها مغمضة، متكورة حول نفسها في برعمها الصغير، ذلك البرعم الذي لم يمهلها كثيرا ليتفتح ، شميمهُ شذى يأسر القلوب.

كانت بداية السنة الدراسية تعلن لكل منا انه كبر عاما ونضج أكثر، وككل البدايات نبتهج بها، نحملها بالبركات والاماني ونمضي.

في ذلك الصباح الخريفي، يتزاحم المارة والسيارات وباعة الخضر في عرباتهم على جنبات شارع المخيم، كان لابد من اجتياز الشارع الطويل للوصول الى موقف السيارات المنطلق الى المدينة، وفي الأثناء المرور بكل حرس الحدود من الأوباش الذين ينزرعون على الأرصفة بحثا عن نظرة شوق وإعجاب وبداية لقصة جميلة..

كان شابا وسيما بعينين عسليتين ناعستين، يحمل سلاحه مفتخرا بوطنيته،  يذرع مدخل المخيم جيئة وذهابا متفقدا كل ما يطلق عليه لفظ الانثى، ولو كان قطة شاردة من احدى الزقاق، حتى باغته القدر واطلت اميرة هذا الصباح، طفلة بمحياها لكنها اميرة قلبه التي اصطادها بعينه التي لا تخيب..

 في تلك اللحظة غدا كل شيء عدم، أصبح الكون سديما ولم يعود وجود لشيء، انطفأت الذاكرة وتلاشى المستقبل! لا شيء غير الحاضر ماثلا امامك فإما ان تكون او ينتهي كل شيء..

اصبحت النظرة في ذلك الحين أم البدايات وأصل الحكايات، نسجت من العيون ألف حكاية غرام وكل خيوط الوصال.

"فارس" ينتظر وردته الجميلة كل صباح وبعد انتهاء الدوام على مدخل المخيم المكتظ يشم شذاها ويهرول متذرعاً بأي ذريعة ليحمي وردته الصغيرة ويوصلها الى حديقتها بأمان.

 كذلك "ورده" كانت تبحث بعينيها السوداوان الواسعتان عن أثر فارس قلبها وفارس الوطن الجريح، فقد كان فارسها مغوارا في الحرب ومغوارا في الحرب.

كان حبهما معركة غرام يؤججها الشوق والحنين، وكانت معركته الكبرى معركة الوطن ورهان المقاومة.. كان له حبيبتان تختصمان تتفقان.. "ورده" و "الوطن"

 من كان أحق بفارس منها؟ فلسطين!!

هل الوطن أحق بكليهما؟

جدلية فارس وفلسطين لم يكن لها حل، ليس ل"ورده" ولا لحديقة ورود المزاودة على وطنية فارس وحبه لوطنه. وليس لها أو لغيرها أن تطلب منه أن ينزل عن كتفه البندقية!

إنها الخيانة بعينها!!

 كانت جميلتنا تنام الليالي بقلب مرتعد كلما سمع صدى رصاصة بعيدة، فكيف بتلك الليالي التي نتطرب فيها الاسماع لأزيز الرصاص ودوي الانفجارات وهمهمات الجنود بين الزقاق.

ما كان إحساسها يا ترى؟ أهو الهلع عند سماع انه شهيد من المخيم مجهول الاسم؟ وما كانت ردة فعلها عندما تُعرف الهوية ويتبين ان الموت اخطأه مرة أخرى.. ترى أكانت السعادة للنجاة أم الحزن على شهيد؟ أم أنه الترقب حتى يأتي اليوم الوشيك؟؟

تتعوذ "ورده" بالله من الشيطان والافكار المريبة التي تجتاحها وتمضي سعيدة بطيف صادفته، وبضع كلمات سرقتها من بين شفاهه المخثرة بالحب والهيام..

                                  ******

 في ايلول الجميل ملك الشهور و القلوب، لفحت انفاس فارس الحارة وجه وردته وتغلغلت يده الكبيرة في امواج شعرها الهادرة المتوحشة، كان ذلك العناق الخريفي المحموم اثمن غنيمة سرقتها من زمن ما اعطاها الا ليحرمها الكثير، كانت تستدفئ بهذه الذكرى مساءات شتوية تنخر عظام المشتاقين، وتهب الذكرى في المساءات الصيفية نسمة باردة تظمي عطش الملتاعين.

كان ايلول وورده غريمان دائمان، كان مثقلا بالتناقضات والدهشة.. حب وكره وحزن وسعادة وبداية ونهاية، اما ايلول 2006 فكان مختلفا..

افرغ "فارس" ما في جعبته من الوله في ليلة واحده كان ذلك الوصال مشؤوما، لم ليهديها تلك الذكرى الا لما سيخلفه بعدها من الفراق.

كبركان حب انفجر مرة و برد الى الابد، تناولت "ورده" فطورها وصففت ضفيرتيها السوداوين، لا يخفى بريق السعادة في عينيها على أحد.

كانت كعادة اهل البيت اخبار الصباح تصدح في أنحاء المنزل، 

(قامت قوات الاحتلال الاسرائيلي فجر اليوم باسر ثلاثة من الشباب المطلوبين لديها وهم اياد محمد، عبد الله سعد، وفارس عمار و اقتادتهم الى جهات غير معلومة)

تلك اللحظات التي لا تتكرر في حياة المرء الا مرات قليلة، تحيل ما حوله الى فراغ.. تغدو كل الاشياء سديماً وغبار..

 لم يبقى الا عيني وردة السوداوان الواسعتان في المرآه هل هما حقا لها ام انهما عسليتين ناعستين ، كانت تلك اللحظة كأنها الابد أو ما هو وراء الأبد والبعيييد!

انهار كل شيء على راس "ورده"، زلزلت الارض من تحتها وعصفت الريح من حولها، برقت السماء ورعدت و غشي كل شيء الطوفان..

               *****

من قال اننا عند نقطة نتوقف ولا يعود باستطاعتنا ان نكمل، نحن اقوى مما نظن نحن اكبر واعتى من كل العواصف والأعاصير، تلك الوردة تفتحت وصمدت رغم كل رياح الغضب و الحزن و الشوق، كان ليس من الانتظار بد، ليس له من بد!!

كان رهانها الاستمرار، راهنت على نفسها وحبها و الوطن، ترى من كسب الرهان؟ المهم ان يكسب من يستحق..

من هو الذي استحق في نهاية المطاف، هل كان الرهان ربحا أم خساره؟

لا أحد يعرف، كان الجميع ينتظر ويترقب

"ورده" الجميلة اصبحت لا تكاد تتصل مع الواقع بشيء، بحر قلبها جففته صحراء النقب، حيث كان الفارس المغوار قابعا ينتظر تلك السنين السوداء أن تمر وتنقضي. جاءت الاخبار المتناقلة من هنا وهناك باحتمالية السجن خمس عشرة عاما، وتتساقط التهم وتوزع وتخفف الاحكام وتمسي "ورده" تعد الايام بانتظار خبر تائه يجد طريقه اليها، حتى وصلها الخبر كحد الحسام القاطع..

 7 سنوات

يا الله، 7 سنوات في كل سنه 356 يوما، كم ساعه، كم ثانيه.. كم من لحظات الفرح والحزن والأمل والإحباط..

 يا رب كيف ستمضي هذه الايام ، والساعات، والدقائق، يا الهي العظيم..

ما ستغير هذه السنون في حياتينا وأقدارنا؟

 في حياة "فارس" لن يتغير شيء، ولكن لن يعود شيء كما كان مطلقاً، أما في حياة "ورده" فسيتغير الكثير. فقد اجتازت امتحان الثانوية العامة ودرست العلوم الحياتية وأكملت مشوارها في التدريس كمعلمة صف.

بينما فارسنا، لم يعد نفسه الفتى الذي عرفناه وكبرنا معه،، خرج رجلا اخر!

سنوات السجن كانت صعبه وطويلة وقاسية، كانت الأيام تمضي والحياة تستمر. الجميع يكملون حياتهم تاركين هؤلاء التعساء خلفهم.

 تدور عجلات الحياة بلا توقف ولا استكانة، فتيل الانتفاضة يشتعل ويخبو، اخواته تزوجن وانجبن، اخوته اكملوا دراستهم، ما زال الناس يأكلون ويشربون ويتناسلون ولم يتوقف شيء!

داخل السجن كان عقرب الزمن متوقفا يدور بلا انقطاع ولا توقف، ولا شيء هام يذكر، لا جديد تحت شمس النقب...

كان "فارس" يتحرى اخبار "وردة" من زيارات والديه واخواته، من مكالمات الاجهزة المهربة داخل السجون، كان يسال ولا يقترب، ولا يحاول حتى ان يقترب، كان يرى فيها خائنه..

كيف تستطيع "ورده" ان تعيش بعده وتستمر، كيف استطاعت أن تضحك وتبتسم وتأكل وتشرب وتنام بلا غصه؟؟!

كيف استطاعت أن تكمل المشوار وتخرج صباحا وتنام مساء وتدرس وتذهب للجامعة وتحصِّل درجات علمية وتستمتع بملذات الحياة التافهة وحبيبها مسجون بين ثلاثة جدران وقضبان حديدية تخنق حريته.

كيف ذلك؟ وهي التي اقسمت بكل مقدسات السماء انها لا تقدر على بعده، اقسمت انها ستموت (لو غزتك ابره)

هل كان عليها ان تلتحف بالسواد وتجلس منتظرة السنوات السبع العجاف حتى ينتهين ، ثم تفك الحداد وتلون بتلاتها وتعود وردة من جديد؟؟

مفاهيم الخيانة والوفاء، العرفان والنكران الجيد والسيء، تختلف من شخص لآخر،، من موقف لآخر ومن ظروف لظروف.

ما نراه صحيحا وعاديا بنظرنا قد يكون إجحافا وجحودا بعيني الآخرين،، ربما اختلاف وجهات النظر قد أسفر عن أزمة ثقة وردود فعل قاسية مستبدة وغير مفهومة أو مفسرة.. لا مبرر لها ولا تفسير!

                        *****

اهلا اهلا بعودة ايلول!

ايلول2013، كانت ابواق السيارات تصدح وازيز رصاص الفرح يهز اسماع المخيم الصغير، قلب "ورده" لم يكن يخفق، كان حقل الغام، مع كل نبضه كان ينفجر مكان في ذلك الفؤاد المتقد حباً وكرهاً.

الهواء المختلط بالفرحة التي غمرت المخيم آنذاك كان يخنقها ويقتلها، صدى الفرح والزغاريد كان ضجيجا صاخ أسماعها، نظرات الاستعطاف والترقب كانت كمسامير تنغرز في جسدها الدامي قهرا..

كان يوما صعبا، مؤلما... كان أشد قساوة على قلبها من اليوم الذي اعتقل فيه..

أما "فارس" فقد كان يعيش شيئا اخر، كان سعيدا وفرحا جدا، كانه ولد من جديد، مدهوشا ومذهولا، كانه فارس فضائي، حط من كوكب اخر.. كل شيء تغير، زاد العمار وزاد الدمار، اشخاص جدد تفرعوا من شجرة العائلة انسباء وأطفال وقرايب وحبايب.

جسمه كبر، عقله كبر، وقلبه ما حاله قلبه يا ترى؟

                                 ********

صدفة.. التقت العيون بعد 7 اعوام من الشوق والظمأ، كل ما كان يجب ان يقال ما عاد يقال، اختصرت العيون كل الكلام..

اي اغتراب هذا.. خسارة صبر السنون والالم والامل والاحلام التي طارت في الف الف فضاء وغيمه!

كانا حبيبان يوما، صارا غريبان ابدا..

فارس الاحلام، كان محض فارس أحلام ليس إلا؛ لم يتجاوزها الى الواقع والحياة. هل كان أجبن من ان يشق بسيفه ما كان يفصل بينهما، ما الذي كان يفصل بينهما أصلا؟

أهي مذنبة إن اكملت حياتها؟

ترى هل كان وفاء ان تجلس على قارعة الزمن عارية الا من وشاح الحزن الاسود حتى يجيء صيف السنة السابعة وتلون روحها من جديد، هل أخطأت عندما اصبحت أفضل منه وتعلمت وغدت معلمة للأجيال، وامرأة لها حياتها وعملها واستقلالها المادي ونجاحها الصغير الكبير، وهو ماذا؟ مناضلا كان واصبح عريسا؛ فقد تزوج فارس وردة صغيرة، مراهقة وطالبة في المدرسة التي تعلم وردته الكبيرة في صفوفها.

                                      *******

لا أحد استطاع أن يأوّل بحق واستفاضة أسباب الفراق والتجاهل والخذلان المتبادل، لكن تلك القسوة لا تبرر بغير تلك السلطة الذكورية المنقطعة النظير.. الاستبداد القائم على أساس النوع، وما يتبعه من وفاء لامحدود -لا تستطيع أن تخمن ما هو حجم العطاء المتوقع في تلك العلاقة؛ بلا حدود قابلة للاستنباط حتى!

هذا ما نسميه القدر وما يسميه الاخرين بالخسارات؛ العمر، خيبات القلوب ام مستقبل بلا ملامح؟!

"وردة" فارس اصبحت وردة فلسطين، تخرج الاجيال وتوهب نفسها للعلم والتعليم، وفارس ككل الفرسان في كتب القصص المصورة كان فارس أحلام الصبايا والفاتنات، لكنه بلا شك كان فارسا للوطن.. من يستطيع أن ينكر؟!

كلو فداكي يا بلد، نموت وتحيا فلسطين...

بيسان عناب

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة

انشر مواضيع واحصل على ربح فوري