شارك هذا الموضوع

وعاد في كفن,,

يحكون في بلادنا يحكون في شجن
عن صاحبي الذي مضى وعاد في كفن
كان اسمه..
كان اسمه ياسر زياد الحمدوني
عمره 40 عاما
مطارد.. أسير.. ثم شهيد

أما عن القصة باختصار فهو أحد تلك الأسماء المتزاحمة في ملف الأسرى الذين انقضت عنهم الأيام والسنوات.. وانقضت أعمارهم وأجمل سني حياتهم وهم هناك مدفونون بالحياة، قابعون خلف القضبان، يصارعون الأسر والبعد والذل والحنين.
قضى ياسر أياما وأيام في عتمة السجن وقهر السجان، عدت أيامه الأسابيع والأشهر والسنين، حتى جاوزت الخمسة عشر عاما.. تبدو تلك الأيام كلمحة من لمحات الحياة السريعة، ولربما خبر نقرأه يضايقنا لدقائق ثم ينسى ياسر وقصته ومعاناته.. ينسى كأنه لم يكن..
                          ****
"بعد 15 عاماً من الغياب في سجون الاحتلال.. الأسير ياسر حمدوني يصل شهيداً إلى مدينة جنين حيث ارتقى يوم أمس في سجن ريمون نتيجة الإهمال الطبي."

هذا النص القصير المقتضب كفيل بأن يروي كل الحكاية؛ سنوات من الآلام والأوجاع والفقد والذكريات.. ليال ربما كنا فيها ننعم بنوم هادئ ولذيذ كان فيها صديقنا الراحل يلوي من الشوق والحنين لأسرة افتقدها واشتاقها حد السماء..
أيام احترنا فيها أي معطف يناسب تلك الغيوم الملبدة في السماء.. أهو الأسود المخملي أم الأبيض الفرائي.. وقتها كان صديقنا محتارا ترى هل اذا قفزت مئة قفزة تحترق بعض الدهون وتمده بالقليل من الدفء.. ويقفز وهو شارد يفكر بأسرة تركها خلف الجبال البعيدة هل هم بخير؟ هل ينعمون بالدفء والأمان، هل يذكرونه في تلك اللحظة بالذات أم أنها سحلتهم هموم الحياة.. وتتناهى الى منخريه روائح بعيدة لحساء العدس الساخن وكؤوس السحلب التي تكللها رشة من القرفة وثلوج جوز الهند..
هو رحل الآن،، حمل همومه والامه وآماله أيضا وذهب لمكان افضل، وكعادتنا نحن على الدوام؛ لم نذكره حيا وذكرناه ميتاً كأنه يكفي الواحد منا أن يموت ليصبح بطلا في عيوننا بينما يناضل عمرا بأكمله وتعمى عيوننا عن الالتفات الى تلك التضحيات والبطولات.
ياسر غادر مدينته الحبيبة شاباً فتياً يحلم بالشمس والصباح، رجلا بهمة تحاكي الجبال عظمةً وأنفةً، لكنه عاد جثة هامدة ممددةً مكفنةً على لوح وحمالة.. عاد جسد بارداً لا روح فيه ولا حياة.. عاد ماضٍ دون حاضر ولا مستقبل .. دون أحلام ولا أمنيات.. دون قدرة على رد العناق لأولئك الأحبة الذين قضوا خمسة عشر عاماً -وعمراً كاملاً فوقها-  ينتظرون أن يشعروا بحرارة العناق وقبضة اليد المشتاقة .. انتظروا كلمات حب وحنين فاضت بها عتمة السنين الطويلة وخوائها..
قد عاد في كفن..
عاد ياسر في كفن يلفه ليواري الثرى في بطن ارض عشقها حد الهوس، ليس حب كلمات بل حب رجال.. قول وفعل فكان العمر ثمنا والأيام فدوى.


                    *****
       شهيد الإهمال الطبي
لربما سحبتني أمواج الحزن بعيدا فنسيت جوهر الحكاية..
تمارس سلطات الاحتلال الإسرائيلي جريمتها الأولى باحتجاز حريات أبنائنا واغتيال أجمل سنوات عمرهم خلف قضبان حديدية شيدتها لتخنق ايامهم وتطفئ شعلة الحياة في نفوسهم، وتمادى بجرائمه فضرب بالقوانين عرض الحائط ولم يحفظ حقوق مساجينه، فشهدت العديد من السجون حالات اهمال طبية مماثلة؛ وقد أشار الأطباء المشرفون على تشريح جثمان الشهيد الأسير أن سبب الوفاة كان تضخما في عضلة القلب، مشيرين الى تعرضه سابقا الى مشاكل في القلب نقل على اثرها الى العناية الطبية واجرى عملية قسطرة في القلب في مستشفى العفولة، لكنه لم يستكمل علاجاته الوقائية مما أسفر بالنتيجة عن مضاعفات تسببت بارتقائه شهيداً.
بالإضافة الى ياسر هناك 216 من أبناء الحركة الاسيرة في عداد الشهداء نتيجة الاهمال طبي والاستهتار بأرواحهم.
                        ****
أم ياسر..
صبراً آل ياسر، لعل ولدكم موعده جنة عرضها السماء والأرض خير له من هذه الدنيا وما فيها.
ملامح تلك العجوز المثقلة بالهم والحزن تلت قصيدة من الأوجاع.. عيناها الغائرتين وحاجباها المخذولين ونظرتها الساهمة. تلك الكفين اللتين ربتتا على بطنها حين كان جنينا يركل رحمها ليخرج الى الحياة.. الكفين التين ربتاه صغيرا فأطعمتنا وسقتاه ومسدت شعره ولداً صغيراً..
هما الكفان ذاتهما اللتان رفعتا كفنه عاليا وعانقتاه بكل ما في الأرض من حب وحسرة وخذلان.
 وقفت الى جانب الرجال، رفعت الجثمان بالكفين الطاهرتين إياهما وبالعينين الساهمتين إياهما ومضت دون كلام تحكي قصة الأم الفلسطينية الصابرة الصامدة فطوبى لكن أيتها العظيمات.
بيسان عناب

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة

انشر مواضيع واحصل على ربح فوري